الكتابة في الجوع وعنه!
مركز خليل السكاكيني الثقافي يحتضن فعالية بعنوان: نصوص ومرويات من الإبادة الجماعية: كتب هذا النص على معدة خاوية، خلال الحرب المتواصلة على القطاع منذ الـ683 يوماً، والتي تستخدم خلالها إسرائيل التجويع كأداة عقاب جماعي لسكان القطاع.
"انتظرَ الموت طويلًا،
لم يكتبْ وصاياه،
ولم يودّعِ العصافير،
شيء كان يشدّه من حزنه،
وهو يبحث عن المسرّة وأكاليل البهجة،
لم يرَ في حياته نهرًا،
لكنه كان يركض.
ولم يحمل في صدره غلّا،
لأي نملةٍ تختار بيته لتعيش فيه.
قدّرْ له حياةً أيها الموت،
غير تلك التي فقدها في انتظارك،
لا تأتي إليه قاسيةً،
صعبةَ المنال،
مثل رغيف خبز".
كان هذا أحد نصوص حقبة "المجاعة"، من حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة، نزفها الشاعر الشاب حيدر الغزالي على صفحته في "فيسبوك".
الغزالي، وهو شاعر شاب حققت نصوصه في حرب الإبادة حضورًا عالميًا، بترجمتها إلى لغات عدّة، حتى بات الناطق الشعري بلسان الشعب الغزي، أو "الغزّاوي"، كما يفضل البعض التوصيف، كان أول المتحدثين، بعد تعثر الشبكة العنكوبية في المدينة المهددة بالإبادة الكاملة، فكان حضوره على الشاشة من غزة في رام الله، إنجازًا غير متوقّع منه، ومن القائمين على الفعالية، أو المشاركين فيها.
والفعالية، التي احتضنتها "عليّة" مركز خليل السكاكيني الثقافي، أخيرًا، حملت عنوان "نصوص ومرويات من الإبادة الجماعيّة: كتب هذا النص على معدة خاوية".
شاركنا الغزالي رحلته الشعرية وتطوّر كتاباته استجابةً لما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، فيصف المسؤولية التي أخذها على عاتقه لتوثيق المعاناة الجماعية والشخصية، مؤكدًا على تحوّل لغته ومواضيعه تحت وطأة الحرب والتجويع.
قدّم الغزالي شهادة شخصية ومؤثرة للغاية من شاعر شاب فلسطيني يصف الحقائق القاسية للعيش تحت القصف المستمر في غزة، وخاصة في حي الزيتون، مسلطًا في سرده الضوء على الخوف اليومي، والحرمان من الأمان الأساسي والسلام، والأضرار العاطفية والجسدية التي تخلفها الحرب.
من خلال الشعر والمناقشة التأملية، ينقل الغزالي الدور الأساسي للكتابة كضرورة شخصية وعمل وطني للمقاومة والتوثيق.
وتطرّق الغزالي إلى تحديات الإبداع والمشاركة في الأعمال الأدبية في أتون حرب الإبادة بالتجويع وبالقتل بكافة أشكاله، وتحوّل الصوت الشعري عنده، والدعوة الكونيّة القائمة على الكتابة كفعل إنساني، لا شعاراتي، ولا صراخ فيه، ليس استدرارًا للتعاطف، بل للتضامن مع ضحايا الحرب في غزة، متجاوزًا الانقسامات السياسية أو العرقية.
وتحدّث الشاعر الشاب بنبرة عاطفية عن صعوبة العيش تحت التهديد المستمر، ورفاهية عيش يوم واحد من دون خوف من الموت، قبل أن ينتقل ساردًا تجربة انتقاله داخل مبنى مستهدف بالقصف، ونجاته بالقفز قبل الموت بلحظات تحت سرير والديه.
يعترف الغزالي أنه يشارك الشعر على مواقع التواصل الاجتماعي باعتباره منفذًا عاطفيًا قويًا وشكلًا من أشكال المقاومة. كما ناقش كيف تطوّر فعل الكتابة من التعبير الشخصي إلى شعور بالمسؤولية تجاه السياق الوطني والإنساني، بحيث يعكس الشعر الأمل والحب والصمود وسط الحرب، ويرمز إلى المقاومة الروحية والثقافية.
وتعمق الغزالي في الدوافع وراء كتاباته، مؤكدًا على الروابط الإنسانية العالمية التي تتجاوز السرديات السياسية، رافضًا الشعر القومي أو الدعائي الصرف، مُركّزًا بدلًا من ذلك على الإنسانية المشتركة والواجب الأخلاقي في الوقوف ضد العنف والظلم عالميًا.
وتناول، في الجزء الأخير من مداخلته، الحقائق القاسية للحياة اليومية في "زمن التجويع"، كندرة الغذاء وتأثير التصعيد الأخير على الاحتياجات الأساسية.
كانت الفعالية أشبه بتأملات حول الحصار الوحشي على غزة، مع التركيز على الآثار المدمرة للتجويع والحرب المستمرة، حيث تم تسليط الضوء على دور الأدب والشعر كوسيلة لإثارة الاضطراب وتحفيز التفكير، ما يضع الأساس الموضوعي لانتظامها.
من قلب التجويع
الكاتب والأكاديمي د. محمود عساف شارك تجربته الأكاديمية والأدبية تحت الحصار، من قلب مدينة غزة، بما في ذلك مخاوفه من تدمير مكتبته الواسعة والتحديات التي واجهها في الكتابة. ثم قرأ نصًا مؤثرًا من كتابه "طابور الحياة وخيانة الزهور"، يصف فيه بوضوح النضال اليومي للحصول على الخبز تحت القصف، مسلطًا الضوء على الأضرار النفسية والجسدية للجوع والنزوح، وعلى معاناة وصمود أهل غزة.
كما قدّم عسّاف رواية شخصية ومؤثرة للغاية عن ذاته وزملائه من غزة، تحدث فيها عن الصعوبات التي يواجهونها خلال أوقات النزاع والنزوح.
وتحدى عسّاف الاعتقاد الخاطئ بأن الكتابة تحت الضغط أو الخطر أمر سهل أو غير ذي جدوى، مُشاركًا تجربته الشخصية عندما كاد أن يفقد مكتبته المنزلية التي تحوي 30 ألف عنوان خلال نزوحه، ما يرمز إلى تدمير التراث الثقافي، قبل أن يسلّط الضوء على إنتاجه الأدبي الغزير خلال الحرب، بما في ذلك العديد من الكتب المنشورة والمشاركة في معارض الكتب الدولية، مؤكدًا على أهمية سرد القصص الصادقة والإنسانية، قبل التوسع في الحديث عن أزمة الجوع الحادة التي يعاني منها سكان غزة، بمن فيهم الأطفال والأسر، وتأثيرها المدمر على الصحة الجسدية والعقلية.
وقدّم عساف قراءة حية ومؤثرة لمقتطف من كتابه "كم من الموت يريدون؟"، تناول فيها التجربة المروعة للوقوف في طابور الخبز تحت القصف، بحيث يلتقط السرد مشاعر الخوف، والإذلال، واليأس التي يعاني منها المدنيون، صوّر فيه طابور الخبز كرمز للنضال من أجل البقاء والكرامة وسط الفوضى، وناقلًا كما نصّه حزنًا عميقًا، وصمودًا، إضافة إلى الأثر النفسي للحرب، وتوّج مداخلته بتأملات حول الخسارة، والندم، والحقائق القاسية للنزوح.
الشاعرة الشابة بتول أبو عقلين قدمت، في عرضها المصور، ثلاثة نصوص من مجموعتها الشعرية "48 كيلوغرام"، التي توثق رحلتها الجسدية والعاطفية خلال فترة التجويع في غزة، تصور قصائدها بوضوح الألم، والفقدان، والصمود الذي يمر به الناس، مستخدمة صورًا قوية واستعارات مؤثرة. يؤكد هذا الجزء على الدور الحيوي للشعراء الشباب في التعبير عن الواقع المعاش للحصار والحرب.
مفارقة الكتابة وسط الجوع
الكاتبة أحلام بشارات، ومن "عليّة السكاكيني" في رام الله، قدّمت مداخلة تأملية في توثيق ندرة الغذاء في غزة، متأملةً في مفارقة الكتابة وسط الجوع والمشاعر المعقدة التي تثيرها، لتتوسع بعدها بالحديث بما يشمل استجابة المجتمع الأدبي الأوسع لظروف الحصار، مستكشفة مواضيع الصمود، والذاكرة، وتحوّل ممارسات الكتابة. وقدّمت نقاشًا عميقًا حول تجربة الجوع، لا سيما في سياق غزة وفلسطين، وتأثيره على الكتاب وتعبيراتهم الإبداعية.
ناقشت بشارات العلاقة المعقدة بين المعاناة الشخصية، والواقع السياسي، والإنتاج الأدبي، مؤكدة على أن الجوع لا يشكل الوجود المادي فحسب، بل يؤثر أيضًا في الاستجابات العاطفية والفنية.
كما حاولت الكشف عن الكيفية التي يتعامل المبدعون الفلسطينيون بها مع ألم الندرة، وتشويه التاريخ، والنضال من أجل البقاء، بينما يُوظفون في الوقت نفسه السخرية، والذاكرة، والاستعارة لمقاومة اليأس، وتأكيد الهوية. وسلّطت الضوء على مفارقة الكتابة تحت الإكراه، وأهمية الذاكرة الجماعية، ودور الخيال في تصوّر واقع جديد وسط الصراع والحرمان المستمرين، مُؤكدة على أهمية الاختيار والفاعلية في الكتابة وسط الحرمان المفروض، وفقدان الحياة الطبيعية، وتغير معنى الأفعال اليومية مثل الأكل والكتابة.
وتحدثت بشارات عن الاستجابات الأدبية للجوع والحصار، عبر الكتابة الساخرة، حيث يختبئ الجوع وراء الضحك، كما في نصوص الشاعرين أكرم الصوراني ونهيل مهنا، والكتابة بالاتكاء على الوعي، بما تبقى منه، لتحمّل المسؤولية، كما في نصوص الشاعرة نعمة حسن، والكتابة بالجوع كما في نصوص أنيس غنيمة، بحيث تصبح الفكاهة، والتعبيرات الشعرية المتنوعة، آليات للتأقلم والمقاومة.
كما قدّمت بشارات قراءات شعرية وتأملات حول الحضور المؤلم للجوع في الحياة والأدب الفلسطيني، مشددة على العذاب النفسي والجسدي المستمر الذي يسببه الحرمان، مع التأكيد على دور الشعر والكتابة في تقديم الشهادة والحفاظ على الأمل.
بيان حداد، الأكاديمية والباحثة، التي أدارت الحوار، تناولت في مداخلتها الاستهلالية عمق الاستخدام التاريخي والمستمر للمجاعة كسلاح استعماري وسياسي، مع التركيز على التجربة الفلسطينية في غزة ورسم أوجه تشابه مع "مجاعة البطاطس" الأيرلندية الكبرى؛ مؤكدة على أن الحرمان من الغذاء ليس مجرد كارثة طبيعية، بل هو استراتيجية محسوبة تهدف إلى محو الهوية والثقافة والتماسك الاجتماعي. وشدّدت حداد على صمود وإبداع المجتمع الفلسطيني في الحفاظ على علاقة كريمة بالأرض على الرغم من القمع المنهجي والحصار.
وتطرقت حداد إلى العلاقة الفلسطينية العضوية والكريمة مع الطعام والأرض، مؤكدة على أهميتها السياسية، ومسلطة الضوء على كيفية استخدام القوى الاستعمارية للمجاعة كاستراتيجية متعمدة لإضعاف السكان وتهجيرهم، مع اعتبار غزة مثالًا حاليًا على هذه التكتيكات، التي استخدمتها تاريخيًا إمبراطوريات مختلفة، بما في ذلك الهند البريطانية وألمانيا النازية.
وختمت حدّاد بالتركيز على أهمية الحفاظ على الذاكرة واللغة باعتبارهما أعمالًا للمقاومة ضد المحو، داعية إلى التضامن والعمل السياسي الملموس، وليس مجرد التعاطف العاطفي، في سبيل مواجهة الجوع كسلاح استعماري.
الكاتب: يوسف الشايب/ ضفة ثالثة
2025-08-20 || 11:55