المخطوفون أم مواصلة الحرب؟ هدفان يشلّ أحدهما الآخر
يتحدث الخبير الإسرائيلي جاكي خوجي عن وصول إسرائيل للحظة الحقيقة التي سعت إلى الفرار منها منذ بداية الحرب. ما هو الأهم تحرير مخطوفين أم إبادة "حماس"! ويتصادم الهدفان الواحد بالآخر أكثر من أي وقت مضى.
مع أن أحدا لم يصف هذا على هذا النحو، كان هذا أسبوعا مقلقا على نحو خاص بالنسبة للمخطوفين الإسرائيليين في غزة. أسبوع علقت فيه المفاوضات في طريق مسدود، وإذا لم تطرأ انعطافه حادة فإن من شأن الوضع أن يتجمد ويبقى في يد القدر. أيام تبين فيها لكل من يفهم حتى الآن بأن قيادة "حماس" جدية في موقفها وان تمرسها ينبع من صراع وجودي وليس مجرد مناورة في المفاوضات.
طالما بقيت موازين القوى بين الطرفين كما هي، ولم يبدِ أي منهما مرونة، فإن الفرصة لصفقة واسعة تقل. ربما تحتمل صفقة صغيرة، إنسانية، لبضعة أيام على الأكثر. كل واحد يتحرر هو نعمة، لكن هذا ليس تحريرا جارفا لهم وبالتأكيد ليس للجنود من بينهم.
يوم الأحد مساء، قبل بضع ساعات من بدء صيام رمضان، ألقى رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" خطابا لمؤيديه. تحدث 25 دقيقة، تناول في معظمها وقف النار الذي لم يتحقق. ومع أن هنية توجه للفلسطينيين إلا انه وجه أقواله لإسرائيل. بلغته، قال تقريبا ما يلي: الحرب تدخل شهرها السادس والأهداف التي أعلنتم عنها في بدايتها لم تحققوها (وقصد تحرير المخطوفين وتصفية "حماس"). نحن، من جهتنا، قال هنية، تلقينا ضربات شديدة لكننا نصمد أمام التحدي ونواصل القتال. والمخطوفون، بمعظمهم لا يزالون في أيدينا.
حلاً وسطاً
لهذا السبب، ودون أن نذكر كلمة صريحة، اقترح على إسرائيل حلا وسطا: نلتقي في المنتصف. أنتم توقفون الحرب، ونحن نعطيكم كل المخطوفين. وعلى الورقة الصعبة إياها: السجناء الأمنيين، وعد هنية بإبداء المرونة. وكلمة "مرونة" قالها مرتين. الاستنتاج الذي حاول أن ينقله إلى إسرائيل واضح. يمكنكم أن تقاتلوا خمسة أشهر أخرى، توقعون فيها علينا المزيد فالمزيد من الهزائم، لكننا لن نعطيكم المخطوفين.
فصل هنية خمسة مبادئ بدونها سيرفضون مواصلة الحديث: وقف الحرب، خروج قوات الجيش الإسرائيلي من القطاع، إعادة كل النازحين إلى بيوتهم في شمال القطاع، بدء الإعمار الإنساني ومشروع المساعدات، وصفقة مخطوفين، مشرفة على حد تعبيره. بمعنى صفقة تسمح للطرفين بالادعاء بالإنجاز. ليس صدفة، انه وضع السجناء في المكان الأخير في القائمة. "في كل جولات المحادثات تصرفنا بجدية ومسؤولية"، قال هنية، "لكن العدو تملص من إعطاء ضمانات والتزامات واضحة". وكشف عن أن إسرائيل وافقت على البحث في الانسحاب، لكن بشكل متدرج، وفي صيغة إعادة انتشار.
لا يوجد هنا الكثير من الأسرار. مواقف الطرفين في المفاوضات التي جرت في الأسابيع الأخيرة مكشوفة جدا. للطرفين شرط مسبق غير مستعدين لأن يتزحزحا عنه. إسرائيل ترفض وقف الحرب. "حماس" ترفض تحرير المخطوفين طالما لم تتوقف إسرائيل وتخرج جنودها. لماذا تصر إسرائيل على رأيها، هذا يعرفه الجميع. لماذا تفعل "حماس" ذلك – لأن المخطوفين هم ورقتها الأخيرة، ويمكن القول، إنها الوحيدة أيضا. بواسطتها يريدون أن يحققوا حاجتهم العليا هذه الأيام – إنقاذ أنفسهم. وعليه فقد دحر السجناء الأمنيون جانبا. هم مستعدون لأن يساوموا على عددهم وربما أيضا على أسمائهم.
يستهدف وقف الحرب بالطبع إنقاذ "حماس" من الفناء، لكن بالمقابل فإنه سينقذ أيضا الرهائن الذين يوجدون عندهم في الأسر. وعليه، ففي "حماس" يطلقون إلينا رسائل شديدة الوضوح، بأنه كلما تأخرنا، سيفقد مخطوفون حياتهم. وهم يفعلون هذا من خلال أفلام عن مخطوفين توفوا، ورسائل تنشر في القطاع مرة كل حين.
بعيدا جدا عن الأضواء، وصلت إسرائيل إلى لحظة الحقيقة التي سعت إلى الفرار منها من بداية الحرب. القرار المصيري ما هو الأهم: تحرير مخطوفين أم إبادة "حماس". في هذه النقطة الزمنية، يتصادم الهدفان الواحد بالآخر أكثر من أي وقت مضى. مشكوك أن تتخلى "حماس" أو تلين. كل الضغوط التي يمكن أن يستخدمها عليهم الوسطاء وإسرائيل استخدمت منذ الآن. عسكريا، ماليا، سياسيا واجتماعيا. بالنسبة لهم، وقف الحرب هي مسألة حياة أو موت. وعليه فإذا كانت إسرائيل تريد أن تضمن عودة المخطوفين إلى الديار سليمين ومعافين في أقرب وقت ممكن فإن عليها أن توقف الحرب. إذا كانت ترى أنها تريد أن تواصلها، فإن من شأنها أن تدفع الثمن بحياتهم. "حماس" تخوض حرب وجود، وورقة المخطوفين هي بالنسبة لها الهواء للتنفس. وعليه فإن الضغط العسكري لا يدفعهم لأن يحرروهم مقابل سجناء فقط أو مساعدات إنسانية، مهما كانت كثيرة.
الوسطاء المصريون والقطريون، ومن فوقهم الأميركيون الذين يلعبون دورا مركزيا في المفاوضات، يحاولون حتى في هذه الأيام أن يعملوا على صفقة ما. ينبغي أن نحييهم على إصرارهم وجهودهم العليا في إطار الحديث المتعذر الذي حدده لهم الطرفان. لكن من المشكوك أن ينجحوا في اقتحام الشرط الأساس لـ"حماس" والفصائل لإنهاء الحرب قبل كل صفقة.
من سيدفع؟
في بداية الأسبوع، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إن كلفة إعمار غزة تقدر بـ 90 مليار دولار. لم يقل من سيدفع المبلغ الشاهق، لكن من الواضح من يريده أن يبني. شركات مصرية، بالنسبة للقاهرة، بسبب وضعها الاقتصادي المهزوز وبدونه أيضا، غزة هي فرصة تجارية. كل هذا، إذا لم تقع من ناحيتهم كارثة، وجموع اللاجئين من رفح يغرقون سيناء. عندها ستصبح غزة مشكلة وليست فرصة.
مسألة تمويل إعمار القطاع تبدو لنا كمشكلة الآخرين، لكن من الأفضل لنا أن نصحو من هذا، ومن الأفضل لنا أن نفعل هذا مبكرا. فإعمار غزة هو مصلحة إسرائيلية. إعمار اقتصادي، إنساني وبالطبع استقرار سياسي. بغيابه، ستصبح غزة مدينة لجوء للمجرمين، وحيثما توجد جريمة، ينمو الإرهاب. سبق أن كتبت هنا في الماضي أنه في التصرف غير المسؤول أو غير الحكيم من شأن غزة أن تشبه العراق بعد صدام، وربما أيضا منطقة نفوذ إيرانية. حتى اليوم لم توضع أي خطة جدية وشاملة لإعمارها، لا عندنا ولا عند الآخرين. وحتى لو نفذت بشكل صحيح وواعد، فإن مسيرة البناء المتجدد ستستغرق سنوات.
الدول المرشحة للمساعدة في خطة الإعمار إذا ما وعندما تنطلق على الدرب، لن توافق على تحرير الشيك بكل ثمن. حتى في أيام أخرى لم تسارع. فلماذا ستستثمر من مالها وبعد ذلك يدمر كل شيء بحرب أخرى. هي ستساهم بعشرات المليارات فقط إذا ما اقتنعت بأن غزة ستسير إلى استقرار حقيقي. لضمان هذا يجب عمل واحد من اثنين: إبادة "حماس" (والحرص على أن تحل محلها عصابات أسوأ منها)، أو إبقائها بحيث تكون جهة مجدية.
هذان الأمران، إسرائيل بعيدة عن تحقيقهما. أما المخطوفون بالمقابل فيوجدون في متناول يدها.
الكاتب: جاكي خوجي/ معاريف
2024-03-16 || 12:59