قد تكون آثار فلسطين من أكثر الآثار تعرضاً لتجييرها لمصالح دينية وسياسية في العالم. وغالباً هناك أكثر من رواية عن كل مكان أثري ومنها بلدة سبسطية.
لا تكتفي إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، في شن حربها الشاملة على الوجود الفلسطيني من قتل وحصار وتدمير للمنازل وتهجير للسكان واعتقال وفق سياسة العقاب الجماعي التي ترقى لجرائم حرب، بل وتسعى أيضاً إلى طمس شواهد الحضارات القديمة المتعاقبة على أرض فلسطين. وبلدة سبسطية الواقعة في شمال غرب مدينة نابلس شاهدة على هذه المحاولات التي ترتكبها دولة الاحتلال لإقناع العالم بأحقيّتها في هذه الأرض.
وتمتاز فلسطين باحتوائها على مواقع أثرية وتراثية متنوعة، نظراً لمرور العديد من الحضارات على أرضها. وحسب إحصائيات وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، فإن هنالك 6963 موقعاً أثرياً مسجلاً في الضفة الغربية، لكن أغلبها يقع في مناطق مصنفة "ج"، أي تخضع لسيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية كاملة بحسب اتفاقية أوسلو (1993).
وآخر هذه الانتهاكات بحق الموروث الأثري والتاريخي للشعب الفلسطيني كان في بلدة سبسطية، حيث هدمت سلطات الاحتلال المشروع السياحي الخاص بإعادة تأهيل ساحة البيدر، الذي وضع بمواصفات عالمية وفلسطينية تتناسب مع مواقع التراث العالمي، والممول من الحكومة البلجيكية وبإشراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ووزارة الحكم المحلي الفلسطينية وبلدية سبسطية، مما استدعى طاقم وحدة الإعلام في وزارة الخارجية والمغتربين لتوثيق هذا الانتهاك. توثق تقارير وزارة السياحة والآثار الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للمواقع الأثرية في فلسطين من سرقة وتدمير وتهويد المواقع التاريخية، وفرض السيطرة الكاملة على معظمها ومنع أي محاولة فلسطينية لترميمها وإعادة تأهيلها. ولا تستطيع وزارة السياحة والآثار فرض الحماية الكاملة على الآثار من السماسرة والمنقبين الذين يقومون بتهريب بعض هذه القطع الأثرية خارج فلسطين، كون هذه العمليات تتم في مناطق لا تخضع للسيطرة الفلسطينية، وذلك بناء على توجيهات سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ليتم عرضها على شكل موروث تاريخي وثقافي يهودي في المتاحف المحلية الإسرائيلية وكذلك الأوروبية والأمريكية. ومن الجدير بالذكر أن هنالك توجها لدى الوزارة لحصر هذه القطع واسترجاعها.
ويقول مدير مديرية السياحة والآثار في محافظة نابلس مفيد صلاح إنه وعند بداية التنفيذ عرقل الاحتلال المشروع وأبلغت سلطة الآثار الإسرائيلية القائمين على المشروع أنه لن يتم وفق الآليات التي وضعت، على الرغم من أن منطقة ساحة البيدر تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة.
وخلال جولة وحدة الإعلام في المنطقة الأثرية في سبسطية برفقة رئيس البلدية محمد عازم، ومدير مديرية السياحة والآثار مفيد صلاح، اطلع الطاقم عن كثب على ما يحدث في البلدة من انتهاكات بحق المواقع الأثرية. ويقول رئيس البلدية، إن البلدية على تواصل دائم مع منظمة اليونسكو للضغط على سلطة الاحتلال لوقف اقتحاماتها اليومية وتضييقها على المواطنين في المنطقة في محاولة غير مجدية لفرض أمر واقع جديد يتم به اختراق بلدة سبسطية من قبل المستوطنين والزوار الأجانب القادمين من الطرف الإسرائيلي. لكن دولة الاحتلال تتجاهل هذه المحاولات وانسحبت من عضوية منظمة اليونسكو في عام 2018 بذريعة "عدائها لدولة إسرائيل". قوات الاحتلال تقتحم بلدة سبسطية (05-08-2019) وخلال إعداد هذا التقرير أفادت إشارة عبر اللاسلكي الخاص برئيس البلدية باقتحام مهندسين تابعين للإدارة المدنية بحماية جيش الاحتلال المنطقة الأثرية، وبدأ القلق يخيم على المكان، ولكن سرعان ما عزم الطاقم على الاحتكاك بهم ومعرفة سبب الاقتحام كونهم يحملون خرائط ومخططات هندسية، لكن لم يتحدث مهندس الإدارة المدنية عن السبب الحقيقي لوجوده هنا، وقال "أنا هون جاي أتفرج".
وبدوره، أفاد رئيس البلدية بوجود معلومات تفيد بنيتهم الاعتداء على المكان وتنفيذ مشاريع شق طرق جديدة تهدف لتسهيل عمليات اقتحامات المستوطنين وبالتالي القيام بطقوس دينية يهودية على المدرج الروماني، بل وأيضاً تسهيل مرور حافلات السياح الأجانب الذين تستقطبهم دولة الاحتلال من مختلف أنحاء العالم لإقناعهم بأن المنطقة إسرائيلية يهودية بامتياز. وبهذا الخصوص يقول رئيس البلدية "من المستحيل أن نقبل بتوفير خدمة لأي مشروع بنية تحتية لصالح قطعان المستوطنين على أرضنا هذه". قوات الاحتلال تقتحم بلدة سبسطية (05-08-2019)
ويقول أحد أصحاب المحلات القريبة من هذه المواقع "قبل عامين، قامت قوات الاحتلال بهدم المحلات وإعلان المنطقة منطقة عسكرية مغلقة لمنع دخولنا، لكنا قمنا بإعادة البناء بإصرار على صمودنا على أرضنا حتى جاؤوا للمرة الثانية للتفاوض حول أحقية ملكية أرضي". وهنا أشار المواطن للعلاقة الوطيدة التي تربط سكان المنطقة والبلدية والمحافظة الذين يسعون بجهود مشتركة وحثيثة للحفاظ على هوية وقدسية المكان وإبقائه حيوياً ومليئاً بالزوار. "بحط الكرسي على أرضي وبضل قاعد، فهذه الأرض رومانية كنعانية بيزنطية هارودية برونزية وليست يهودية أو إسرائيلية ولا يمكن أن أتخلى عنها".
ويشير مفيد صلاح إلى منع قوات الاحتلال لأي جهة فلسطينية من إقامة أعمال داخلية أو إزالة الأوساخ التي يخلفها المستوطنون عند تأديتهم لطقوسهم الدينية على المدرج الروماني، ولا حتى وضع إنارة في المكان، ويضيف "قمنا مؤخراً بالتعاون مع البلدية بوضع لافتات تعريفية بمواصفات دولية باللغتين العربية والإنجليزية تشير إلى تاريخ وهوية المواقع الأثرية الأصلية على أنها فلسطينية وعربية، وبعد تعليقها طلب منا الاحتلال إزالتها خلال 24 ساعة وإلا سيتم إزالتها بالقوة، وبالفعل بعد مرور الفترة المحددة قام الاحتلال بإزالتها بالقوة".
المدرج الروماني في بلدة سبسطية. (05-08-2019)
تحاول دولة الاحتلال بكل ما أوتيت من نفوذ وقوة طمس الآثار التاريخية الفلسطينية من خلال سرقتها أو تدميرها أو استبدالها بما يعزز الرواية الإسرائيلية، التي يسردها القائمون على هذه المخططات الإستراتيجية الصهيونية للسياح الوافدين من طرفهم إلى بلدة سبسطية كمحاولة واهية ويائسة لإثبات وجود مزيف يعبر عن تاريخ محرف في المنطقة، بحيث تؤكد جميع التنقيبات الأثرية التي أقيمت على يد بعثات أجنبية وفلسطينية خاصة الفترة الماضية على عدم وجود أي أثر يثبت ادعاءات الوجود التاريخي اليهودي، الذي يعطي أحقية للإسرائيليين بالسيطرة على المكان.
إعداد: إيهاب عقاب، صوفيا دعيبس، ديانا النصر/ وزارة الخارجية المحرر: عبد الرحمن عثمان
يكون الجو حاراً جافاً ومغبراً، حيث يطرأ ارتفاع آخر على درجات الحرارة، لتصبح أعلى من معدلها العام بحدود 9-10 درجات مئوية، وتتراوح في نابلس بين 31 نهاراً و20 ليلاً.