القاموس بيتي
في مثل هذا اليوم عام 1973، أدرجت الأمم المتحدة اللغة العربية ضمن لغات العمل الرسمية، ويحتفل العالم في 18 كانون الأول من كل عام باليوم العالمي للغة العربية.
مرة قرأت لسان العرب كله من الألف إلى الياء، قرأته كأنه رواية ممتعة، لم أحسب الوقت الذي أمضيته في قراءته، لكنني قرأته كله وعلّمت في طريقي بالقلم على أشياء أثارت اهتمامي. مئات الصفحات علمت على أشياء فيها بالقلم، وعلى الأخص المواد التي اعتبرتها ميثولوجية، فقد كان مشروعي وقتها أن أستخرج المادة الأسطورية، الميثولوجية في لسان العرب، كي أصنع منها قاموساً ميثولوجيا.
كان من المستحيل بالنسبة لمن في وضعي أن يفكر في قاموس ميثولوجي عام، فالمادة الميثولوجية في المصادر الكلاسيكية العربية هائلة الحجم، وسوف أحتاج إلى ثلاثين سنة لاستخراجها، لذا قلت: دعني أحصر نفسي بالمادة الميثولوجية في لسان العرب، وهكذا قرأت لسان العرب من الألف إلى الياء باحثاً عن كل ما ظننته إشارة ميثولوجية.
لكنني لم أكمل المشروع، فقد اكتشفت أن الأمر يحتاج إلى تفرغ لمدة عشر سنوات لإنجاز هذا المشروع، أقصد أنني أحتاج هذا الوقت لاستخراج المادة المختصرة في القاموس وشرحها والتعليق عليها، والإتيان بما جاء في المصادر الأخرى. ولم تكن ظروفي المادية تسمح لي بالتفرغ مثل هذا الوقت، سأجوع إن فعلت، وهكذا انسحبت.
لكن العلامات بالقلم على المواد الميثولوجية ما زالت هناك على صفحات القاموس، ولسان العرب ليس قاموساً، إنه جمع لعدة قواميس معاً، بل إنه موسوعة لغوية كبرى. أكثر من ذلك، إنه قاموس للغة العربية ولما تبقى حياً من لغات المنطقة ولهجاتها، إنه لسان العرب ولسان أقربائهم أيضاً.
وفي شغلي على الأديان والأساطير كان لسان العرب بيتي، كنت أعود إليه كل يوم، لكنه لم يكن وحده، كان هناك أيضاً (تهذيب اللغة) للأزهري. الأزهري كان ينقذني حين أغرق وحين تضيع الحيلة مني. ابن سيده أيضاً في (المخصص) و(المحكم)، أنا مدين له بالكثير، لقد أضاء لي قناديله في العتمة مرات كثيرة. كما أن للزمخشري في (الكشاف) و(الفائق) أفضال ضخمة علي، حين تسكت القواميس كلها كان يكلمني عبر الكشاف أو الفائق.
الرضى الصاغاني أيضاً في (العباب الزاخر) كان يفتح لي الأبواب المغلقة أحياناً، كان يعطيني المفتاح ابن دريد أيضاً في (جمهرة اللغة) كان يسعفني، أنا ممتن له على ذلك، أما ابن قتيبة في (الجراثيم) فقد بدا لي قاموساً كبيراً مع أنه ليس قاموساً.
وبالمناسبة، فإن (تكملة المعاجم العربية) لينهارت دوزي ليس قليل الشأن، إنه تكملة حقيقة للمعاجم العربية، ما أسقطته القواميس لمته يداه، رغم أي مشاكل فيه.
وأنا هنا أتحدث عن دَيْن كل هؤلاء عليّ بمناسبة يوم اللغة العربية.
الكاتب: زكريا محمد
2018-12-18 || 23:22