الليلة الأولى.. أنت معتقل
ليس من السهولة أن ينسى الأسرى الفلسطينيون ما مروا به خلال اعتقالهم، إذ تترك هذه التجربة آثارها في حياتهم وتدفعهم للإصرار على تحقيق أي انتصار مهما كان حجمه. أحد الأسرى يتحدث عن تجربة اعتقاله الأولى في هذا المقال.
عائداً من كل درب وصوب.. آتياً من كل نهر وبحر
ستكون يوماً ما هناك.. ستكون خلف جدار كبير
بعد توقيفي لساعات جاء ضابط إسرائيلي بطريقة ساخرة ليقول لي: مرحبا جهاد أنت الآن معتقل، كيف هو إحساسك؟ لربما كان علي أن أستجمع كل قواي في هذه اللحظة وألا أظهر أي نقطة ضعف. كان علي أبتسم في وجه هذا الضابط وأقول له: "عادي"، فيصعق ويسألني بلكنة عربية ركيكة "كيف عادي؟ أنت رايح على السجن، مش رح تشوف الشمس". وبكل سخرية أجيبه، "نعم، لكنني سوف أرى أصدقائي هناك، وبالنهاية سأخرج". وهنا يغضب الضابط قليلاً مما سمع، ربما كان يريد أن يرى ضعفي أو انهياري أو دمعة تسري على الوجه. لا أعرف ماذا يريد أن يرى، ولكنني أعرف أنني انتصرت منذ البداية عليه بكلمة صغيرة، انتصرت عندما قلت "عادي". نعم هي أمور صغيرة قد تحقق نصراً.
بعد تفتيشي وتفتيش متاعي يسألني الضابط بكل غضب، "هل تحمل أدوات حادة؟"
- نعم
- أين هي؟
فأظهر له لساني فيغضب ويتقدم نحوي ليركلني ويسألني "أين أدواتك الحادة؟".
- لا أملك سواىلساني أداة حادة.
يركلني مرة أخرى ويذهب فأفرح كثيراً، ليس لأنني رُكلت بل على العكس لأنني استطعت استفزازه وجعلته يصرخ ويتقدم ليركلني، هو الذي أراد أن يظهر بصورة الهادئ المرح عندما جاء ليسألني عن شعوري لحظة الاعتقال. أحياناً الهدوء والسخرية انتصار بطعم آخر أمام عدوك، أن تحوله بكل هدوء إلى مادة لسخريتك فيشتعل غضباً وينسى لباقته التي يحاول أن يخدع بها العالم. انتصار يسجل لك فتذكر ذلك دائماً.
بكل وقاحة تسألني مجندة لا تتجاوز العشرين من عمرها "لماذا أنت معتقل؟". حقاً لا أعرف. لربما كان يجب أن أسألك هذا السؤال وأن تجيبني أنتِ.
"هل أنت فلسطيني"، تسألني. فأجيبها قائلاً: "نعم وإلا لما كنت هنا".
- لكنك لست مثلهم.
- كيف هذا؟
- إنك ترتدي ملابس من (ماسييمو دوتي)، تبدو ذا ملامح روسية. يبدو أن أمك من شرق أوروبا؟
هل عقدة الرجل الأبيض ما زالت تصيبكم؟ هل لا زلتم تعيشون في حالة الرجل الأبيض والفوقية؟ نعم أيتها المجندة هذه الأيام قد يكون الرجل الأبيض فلسطينياً وقد يكون كما الآن معتقلاً لديكم وقد يرتدي الفلسطيني ملابسه من ساكور ومن ماسيمو دوتي وقد يعتقل أيضاً. ماذا سوف يفعل ماسيمو دوتي عندما يعلم بأنك هناك فلسطيني من زبائنه؟ ماذا سوف يفعل عندما يعلم بأن هذا الزبون معتقل لدى الاحتلال؟
لا شيء ينفع الآن، فقط سوف ترتدي على عينيك غمامة سوداء ولن ترى شيئاً خلال هذه الرحلة. لا معنى للغمامة على العينين سوى محاولة تخويف نفسي لك. يريدونك أن تخاف وأن تشعر بأنك ذاهب لمكان مجهول وسط جنود لا تراهم، ولكنك تحس بهم وقد تتلقى من أحدهم صفعة أو دفعة خلال رحلة اعتقالك، ولكن عليك أن تنتصر الآن مرة أخرى. تخيل البلاد جيداً، تخيل كل شيء حولك وانتصر على هذه الغمامة، فأنت تعلم إلى أين أنت ذاهب. أنت ذاهب إلى قلب تلك البلاد التي يعتقلونك الآن لأنك تحبها. تخيل نفسك بماذا تمر في طريقك إلى "بتاح تكفا". تخيل بحر يافا وأنت قرب الدامون. استنشق الهواء المفعم برذاذ هذا البحر وانتصر على هذه الغمامة.
عليك الآن أن تحقق انتصارك الثاني بالتخيل والغناء. أغني في خيالي أغنية من التراث الجزائري غناها الشاب رشيد:
قولي لأمي ما تبكيش يا منفي ولدك ربي ما يخليش يا منفي
ولدك داخل وسط بيبان يا منفي والسبعة فيهم جدعان يا منفي
قالولي كا شي دخان يا منفي وأنا وسطهم دهشان يا منفي
قولوا لأمي ما تبكيش يا مني قولوا لأمي ما تبكيش يا منفي
والأغنية هي أغنية جزائرية تتكلم عن المعتقلات الفرنسية في الجزائر إبان احتلال الجزائر. وتفسير الأغنية كما يلي:
قولوا لأمي ألا تبكي لأن الله دائماً سيكون معي ولن يتركني، وأنه في المعتقل هناك أبواب كثيرة بداخلها أسود الزمان ورجال هذا الوطن وأنا بينهم مذهول ومدهوش وهؤلاء سيعطونني سجائري وما أحتاج، فلا تبكي يا أمي.
تذكرت هذه الأغنية لأنني أعلم حسب القانون أنني سوف أعرض على محكمة خلال أيام من أجل توقيفي على ذمة التحقيق. وكان كل همي أن أحقق الانتصار الثالث بأن أدخل المحكمة مبتسماً ولكن النصر الأهم هو ألا تبكي أمي أمامهم. دخلت المحكمة بعد ثمانية أيام من الاعتقال رافعاً رأسي وبكل ثقة وابتسامتي "بعرض وجهي". عندما دخلت من بوابة المحكمة أبصرت أمي وخالي وعمي فرفعت يدي لهم بالرغم من "الكلبشات" ورفعت إشارة النصر أمام القاضي العسكري وجميع من بالمحكمة، فردها لي عمي وخالي بإشارة مماثلة وابتسمنا.
هكذا انتصرنا وبت أتفادى النظر في عيون أمي، لأنني أعرف أنها تبكي. لا أريد أن أراها وهي تبكي، سأموت لو رأيتها. لي زميل معتقل اسمه جاد كان معي في قاعة المحكمة أيضاً، وقف وقال لأمي: "لا تبكي يا خالتي ابنك أسد. الناس بالسجن كلها بتشهدله. أمانة ربك لا تهديه وتهدينا". أنقذني صديقي جاد من مأزق النظر لعيون أمي والكلام معها والاختناق عندما أكلمها. لا تبكي يا أمي ودعينا نكمل هذا الانتصار.
إن أيام الاعتقال الأولى هي الحاسمة. في اللحظة التي يبلغونك فيها بأنك معتقل أما أن تقرر النصر أو الهزيمة، لا شيء آخر ولا خيار ثالث. والنصر جميل ومعبق بالفرح. علينا أن ننتصر وأن نقابل بقية الأسرى ونحن منتصرون ونخرج للشمس رافعين رأسنا بالانتصار الشخصي الأول، فلا شيء في هذه الحياة يستحق إلا أن نسجل لأنفسنا نصراً شخصياً كلما فرغنا إلى أنفسنا فيه، نتذكره ونبتسم.
الكاتب: جهاد جهاد
المحررة: سارة أبو الرب
*هذا النص لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز
2016-06-14 || 14:08