أردوغان-نتنياهو وصراع الإمبراطوريات: سوريا ولبنان في التقاطع
تشهد المنطقة تصاعداً في التوتر بين إسرائيل وتركيا، مع تحول سوريا ولبنان إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين الطرفين.
دخلت المنطقة في صراع جديد بين المحاور. إسرائيل وتركيا وجهاً لوجه. لكنَّ ساحة المواجهة هي قلب المشرق العربي، سوريا ولبنان. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقول إن الضربات الإسرائيلية على سوريا ولبنان وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها تمثّل تهديداً لتركيا أيضاً، وأضاف أن إسرائيل منذ تأسيسها تلعب دوراً تهدد فيه السلام والاستقرار في منطقتنا، مشيراً إلى أن أمن تركيا يبدأ من بيروت ودمشق وحلب. سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للردِّ على أردوغان متهماً إياه بالإرهابي، وفي رسالة أخرى وجهها إلى اللبنانيين قال إن إسرائيل ليست عدوة لهم، بل تريد السلام بعد تفكيك حزب الله، مضيفاً: "رسالتي إلى اللبنانيين أن إسرائيل ليست في حالة حرب معكم". واعتبر أن لبنان يمكن أن يسلك مساراً مختلفاً إذا جرى تفكيك "حزب الله"، بما يفتح المجال أمام ما وصفه بفُرص جديدة للبنان والمنطقة".
يأتي تصريح أردوغان تعبيراً عن تصوِّر تركيا لمشروعها في المنطقة، وهي التي تسعى إلى التقارب مع دول إقليمية وعربية، بهدف تشكيل تحالفات تتصدى للمشروع الإسرائيلي، وتبحث عن شراكات اقتصادية واستثمارية جديدة، علماً أن التصريح يأتي بعد توقيع تركيا والسعودية على اتفاق لإعادة إحياء خط الحجاز، الذي تشكُّل سوريا عُمقه الاستراتيجي. منذ سنوات تنظر تركيا إلى نفسها بأنها "الهدف الإسرائيلي التالي". قبل أشهر صرَّح نتنياهو بوضوح أنه عَمِل على ضرب المحور الشيعي الإيراني، وسيعمل على مواجهة المحور الراديكالي السُني وهو كان يقصد تركيا بالتحديد. سعت إسرائيل إلى تقسيم المنطقة، وسعت إلى تسجيل اختراقات في سوريا من خلال دعم مفهوم "الإدارات الذاتية" على أساس طائفي أو مذهبي أو قومي أو عرقي. كما لا تزال تصر على فتح ممر انساني إلى السويداء يمكنه أن يكون موصولاً بشمال شرق سوريا، أي حدود العراق والمناطق ذات الوجود الكردي، ولطالما سعت إسرائيل لتسجيل اختراقات في الساحل السوري.
إسرائيل تضغط وتركيا تمانع
أرادت تركيا مواجهة هذا المشروع الإسرائيلي، مستفيدة من العلاقات مع دمشق وواشنطن، ومن الدور الأساسي والبارز الذي لعبه توم باراك، في دعم سوريا للسيطرة على كامل أراضيها والاتفاق مع القوات الكردية. إلا أنَّ اسرائيل لا تزال تواصل ضغطها على دمشق في الجنوب السوري، من خلال احتلال أراض وملف السويداء. تريد إسرائيل من ذلك أن تفرض شروطها على سوريا، كما أنّها قد تستغل هذه الضغوط لدفع سوريا للتحرك ضد حزب الله، وهذا ما ترفضه دمشق بشكل كامل ويرفضه الأتراك أيضاً، خصوصاً أن كلام أردوغان عن مخاطر المشروع الإسرائيلي وضرره على تركيا، يمثل رداً على ما قاله ترامب حول دفع سوريا للتحرك ضد الحزب.
شرق المتوسط ساحة صراع
في لبنان، تواصل إسرائيل مشروعها العسكري باحتلال المزيد من الأراضي في الجنوب، مقابل الضغط السياسي على الدولة اللبنانيّة لدفعها إلى اتفاق، وقد عبّر نتنياهو بوضوح عن مشروعه، وهو الاتفاق مع لبنان ضد حزب الله. للاتفاق أيضاً أبعاد أخرى، تتصل بالنفوذ الإسرائيلي في شرق المتوسط، ولجعل أيّ اتفاق مع لبنان ورقة ضغط على سوريا، وفي إطار التنافس مع تركيا، خصوصاً أن هدف إسرائيل الأساسي هو توسيع نفوذها في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبناء تحالفات في قطاع الغاز وتصديره إلى أوروبا. هذا المشروع الذي يقابله مشروع تركيّ أيضاً، إذ إن تركيا هي التي تطمح لأن تكون محطة التصدير إلى أوروبا، وهي التي تريد من خلال تقاربها مع دول الخليج، وسوريا أن تعيد إحياء خط الحجاز كبديلٍ عن مضيق هرمز، كما لديها مشروع أساسي وطموح في سوريا هو مشروع البحار الأربعة، التي تربط الخليج العربي، بالبحر الأبيض المتوسط، ببحر قزوين مع البحر الأسود.
يبدو الصراع المفتوح والدائر حالياً، كأنه صراع على وراثة النفوذ الإيراني، الذي عملت إيران على تثبيته منذ أكثر من أربعين سنة، وقد نجحت طهران بتثبيت نفوذها وفتح طريقها إلى البحر الأبيض المتوسط مروراً بالعراق وسوريا. اليوم تبحث هذه الدول وراثة المشروع الإيراني، ولكن في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل لضرب إيران بالكامل مع كل حلفائها، إلا أن تركيا تعمل على استيعاب إيران، والتفاهم معها والشراكة في البحث عن اتفاق بينها وبين أميركا، إضافة إلى احتواء حلفاء طهران سواء في العراق أو سوريا ولبنان. ومن هنا يَرد الكثير من الكلام عن أن تركيا لا تريد لسوريا أي انخراط بالحرب ضد حزب الله، فيما توجَّه اتهامات إسرائيلية لأنقرة بأنها لا تزال تعمل على تمرير السلاح لحزب الله وتوفير خطوط الدعم له. خصوصاً أن هناك قناعة تركية بأنه في حال نجحت إسرائيل بهزيمة إيران وحزب الله فهي فوراً ستنتقل لتوسيع نفوذها وضرب تركيا أو تقويضها.
تفاهمات تركيّة إسرائيلية
في سوريا، عملت تركيا منذ فترة على تعزيز حضورها بمجالات مختلفة، عسكرياً، أمنياً، اقتصادياً واستثمارياً. وبعد احتواء الأمر في شمال شرق سوريا، نقلت أنقرة تركيزها إلى الساحل السوري حيث دخلت إليه بقوة على المستويات المختلفة مع دخول شركات واستثمارات لتوفير فرص عمل للناس، ومنع أي طرف من استغلال أي تحركات شعبية، كما عملت على إدخال قدرات عسكرية بما فيها رادارات وأنظمة دفاع جوي، إضافة إلى تركيز أنقرة الكثير من القدرات العسكرية في وسط سوريا ولا سيما حماه وحمص وحتى في بعض مناطق دمشق، علماً أنَّ ذلك لم يكن ليحصل من دون تفاهم كامل مع الأميركيين.
توفِر الولايات المتحدة الأميركية دعماً لسوريا، وهي التي تمنع نتنياهو من الانقضاض على دمشق أو التوسع أكثر في احتلاله وفي إطار صراعه مع تركيا. بينما تسعى واشنطن وتوم باراك تحديداً مع دونالد ترامب للوصول إلى خلق تفاهمات تركيّة إسرائيلية على تقاسم النفوذ في المنطقة، لكنَّ ذلك لا يزال بعيداً حتى الآن. في المقابل، تضغط إسرائيل من البوابة اللبنانية هذه المرة، أولاً لضرب حزب الله عسكرياً وإنهاء النفوذ الإيراني فيه، وثانياً سياسياً من خلال السعي للوصول إلى اتفاق مع الدولة اللبنانية، وثالثاً سيكون لمآثر الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان ضغوط كبيرة على سوريا، خصوصاً إذا قررت تل أبيب التقدم من جبل الشيخ على طول الحدود السورية نحو البقاع.
لبنان أمام مشروع التوسع الإسرائيلي
لكنَّ الأخطر يبقى، هو إصرار إسرائيل على توسيع اجتياحها للجنوب، وتجاوز نهر الزهراني أو محاولة الوصول إلى الأولي مثلاً، وما لذلك من حسابات تتصل بشرق البحر المتوسط، وأنابيب النفط والغاز، خصوصاً إذا ما رُبط ذلك بتوسيع احتلالها في سوريا أو تثبيته. فذلك من شأنه أن يغيَّر التوازنات والاتجاهات، وعندها قد تجد تركيا نفسها في مواجهة خيار شبيه بالخيار الذي كان أمام حافظ الأسد في العام 1976، وهو منع إسرائيل من التوسع أكثر وخوض معركة لوضع حد لاجتياحها، وبحال اجتمع هذا الهدف مع هدف أميركي آخر يتعلق بدفع سوريا إلى التدخل ضد حزب الله، فإن ذلك سيُدخل لبنان في دوامة جهنمية.
هنا، يحتاج لبنان إلى تضافر جهود عربية وإقليمية تسهم في حمايته من مشروع التوسع الإسرائيلي، وتثبيت مسألة وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي وضرورة عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم، كما أن المسؤولية تقع على لبنان الرسمي، في تعزيز العلاقات مع دول المنطقة، خصوصاً سوريا، تركيا، المملكة العربية السعودية، قطر، مصر، ودول أخرى ذلكَ في إطار تحصين لبنان، وتدعيم موقفه مع الولايات المتحدة الأميركية. ومما لا شك فيه أن الملف اللبناني سيكون حاضراً في قمة الدول السبع التي ستعقد في فرنسا، وفي قمة حلف الناتو التي ستعقد في تركيا، مع بحثٍ بين دول عديدة لتشكيل مجموعة دولية تضم السعودية، قطر، تركيا، فرنسا، وغيرها تُجري زيارة إلى لبنان وتقدم مقترحات واضحة حول وقف الحرب، وانسحاب إسرائيل، ونشر قوات دولية في الجنوب.
الكاتب: منير الربيع/ المدن
2026-06-11 || 08:09