على هامش وداع ام فايز ... تداعيات أدبية عادل الأسطة
1. على هامش وداع أم فايز: عائد إلى حيفا، إلى يافا، إلى ...
الأسبوع الماضي ماتت أم فايز، ولا أعرف متى رأيتها أول مرة. كان لزوجها بقالة في المخيم، وأحياناً كنت أشتري منها. وقبل التوجيهي بعام، أي في 1971 غدوت وابنها بسام صديقين، وتوطدت علاقتي بابنها راضي، ولما لم يكن لي غرفة، في بيتنا في المخيم، لأدرس فيها، فقد وجدتني أدرس في شقة إسماعيل ابن أم فايز، مع بسام. كان إسماعيل اشترى الشقة ولمّا يسكنها، وأنفق فيها بسام وقته يستعدّ للتوجيهي. تلك الأيام كنت أدرس في الشوارع، وفي مزرعة قرب المخيم.
ما بين 1972 و1976 تزاملت مع بسام وراضي في الجامعة الأردنية. درس بسام الأدب الإنجليزي، ودرس راضي التربية والأدب الإنجليزي، ودرست أنا الأدب العربي، وبقينا أصدقاء وجيراناً أيضاً. وفي العام 1975 نكبت أم فايز بابنيها: فايز وإسماعيل ونجا ابنها نضال؛ فقد فقدتهما بسبب حادث طرق، حيث كانا متوجهين إلى عملهما في فلسطين 1948 ـ إسرائيل(؟). وأخذت أم فايز تربي أحفادها، وبدأت أزورها كلما سنحت لي فرصة، وكلما عاد بسام من السعودية، ثم انقطعتُ عن زيارتها منذ 1987، ولم أنقطع عن السؤال عنها وعن أخبارها حتى قبل وفاتها بفترة قصيرة.
الأسبوع الماضي ماتت أم فايز، ولعلها آخر اللاجئين الذين أعرفهم ممن كانوا واعين عام النكبة 1948، ولما سألت ابنها عن عمرها قال لي: 89 أو 90 عاماً. ولا أعرف إن كان، الآن، في مخيم عسكر من عمره أكثر من تسعين عاماً.
لما أخذت أم فايز تربي أحفادها بدأت أقارنها بأم سعد في رواية غسان كنفاني: نساء صابرات يحتملن قسوة الحياة حقاً، ويعشن. يربين الأولاد والأحفاد ويواصلن حلمهن الذي قد يتبدل ويتغير مع مرور الأيام، ولكن بعض أحلام اللجوء تبقى حية مشتعلة.
«الكبار يموتون، والصغار ينسون.». يقول بعض القادة الإسرائيليين. وأنا أعزّي في وفاة أم فايز التقيت بابنها راضي الذي أنفق من عمره سنوات في السجن، وتزوج من قريبته في أم الفحم، واستقرّ هناك، وهو شاعر ومعلم، وسألته عن عودته وإن كان مسروراً، وفوجئت بأنه يتمنى لو أنه بقي في الضفة. هل تحدثت معه عن رجوع العائدين إلى المنفى: رشاد أبو شاور وفاروق وادي وإبراهيم العبسي و.. و.. فيصل حوراني، وخليل السواحري و.. و.. .
بعض هؤلاء عاد إلى الضفة مع اتفاقات (أوسلو)، وسوّى أموره المالية ولم ترق له أوضاع الضفة الغربية وغزة، وآثر الإقامة في المنفى. هل خاب توقعهم؟ هل توقعوا شيئاً آخر؟ انتظروا شيئاً آخر؟ ثم وجدوا هُوّة سحيقة بين المتوقع والواقع؟ هل حلمهم بالعودة يعني العودة الجماعية لا الفردية؟
لم يتكيف بعض العائدين مع الواقع وعاد من حيث أتى.
سأقترح على الشاعر راضي عبد الجواد أن يكتب حكايته نثراً. أخذ يقرأ على مسامعي بعض قصائده عن العودة وخيبته منها، وأخبرته أن النثر أقدر على التواصل مع الآخرين، من الشعر، في الجانب الذي عاشه، علماً بأن درويش عبّر شعراً في «لا تعتذر عمّا فعلت» (2003) عن عودته، وزيارته حيفا والجديدة والبروة. ويبدو أنه أدرك أن النثر مجال أرحب من الشعر فعاد وكتب «في حضرة الغياب».
اقتراحي وحديثي مع الشاعر دفعا بي إلى تذكر نصوص العودة، منذ قصائد أبي سلمى «سنعود» (1953) حتى آخر رواية قرأتها «مصائر» والرواية التي أقرأ فيها «حياة معلّقة» (2013).
كتب غسان كنفاني «عائد إلى حيفا» عن بطل يعود، بعد الهزيمة، زائراً، وأيقن هذا (سعيد. س) أن العودة الحقيقية لن تكون هكذا، وتمنى أن يكون ابنه خالد التحق بالمقاومة ليعود منتصراً. هكذا يخاطب سعيد ابنه خلدون/ دوف: «ذلك شيء تحتاج تسويته إلى حرب».
في 1971 استشهد أبو علي إياد أحد أبرز قيادات فتح، ورثاه محمود درويش بقصيدته «عائد إلى يافا»: «ونام/ ولم يلتجئ للخيام/ ... وما كان لاجئ/ هي الأرض لاجئة في جراحه/ وعاد بها.».
منذ (أوسلو) 1993 كثرت النصوص التي أتى فيها أصحابها على العودة شعرا ونثرا وخصصت لها كتابا هو «أدب المقاومة ...» (1998) وكتب يحيى يخلف «نهر يستحم في البحيرة» (1997) وزار سمخ وشعر بطله بالخيبة، وعاد فيصل حوراني ورشاد أبو شاور وفاروق وادي وكتبوا نصوصاً عن تجربتهم.
أراد محمود درويش، بعد أوسلو، العودة إلى حيفا، ولكن الشروط التي وضعتها إسرائيل، خجل أميل حبيبي من نقلها للشاعر، كما كتب الشاعر في «حيرة العائد» (2007). وفي «في حضرة الغياب» أتى درويش على عودة أهله، بعد 1948، تسلُّلاً. وكان أميل في «المتشائل» عبّر عن تجربته في العودة، وذهب إلى أن حياة بطله العائد تسلُّلاً، إثر قيام دولة إسرائيل، كانت بفضل حمار. أطلق الجنود النار على سعيد فأردوا الحمار قتيلاً ونجا سعيد.
هل خلت نصوص أخرى كثيرة من حلم العودة أو من الكتابة عن عودات فردية؟ الموضوع يحتاج إلى مزيد من الحفر.
2. وإذا رجعتم .. فلأيّ منفى ترجعون؟
وأنا أزور مخيم عسكر القديم، وأُمعن النظر في المحلات التي أقيمت على الشارع، وفي المشاة الذين أعرف قسماً منهم، وهم أصدقاء قدامى، ومنهم من هو أكبر سناً مني، يخطر ببالي السؤال التالي: تُرى لو تحقق لهؤلاء حلم العودة وعادوا، فهل سيعودون إلى مدنهم أو قراهم التي انحدروا منها أو انحدر منها آباؤهم، أم أنهم سيفضلون إقامة مدن وقرى جديدة يتجاورون فيها؟
ما من مخيم فلسطيني، فيما أعرف، ضمّ فقط مواطني مدينة واحدة أو قرية واحدة. إنه، غالباً، يضم شتاتاً من أبناء قرى ومدن مختلفة. فمخيم عسكر الذي ولدتُ فيه، فيه من أهل يافا وحيفا واللد والرملة والبروة وعرب أبو كشك وفجّة و.. و... وتصادق هؤلاء وتصاهروا وغدت بينهم علاقات ربما أقوى من علاقات بعض الإخوة الذين تفرّقوا أيدي عرب إثر النكبة، وهو ما نلحظه في رواية كنفاني "ما تبقّى لكم" وفي رواية عاطف أبو سيف "حياة مُعلّقة" وفي روايات أخرى بينهما.
حقاً هل سيعود أهالي مخيم عسكر مثلاً كل إلى مدينته أو قريته أم أن أهل المخيم سيفضلون إقامة قرية جديدة يقيمون فيها معاً؟
هل في السؤال من الخيال مثل ما في حلم العودة من الخيال؟
مرة تحدثت ومحمود درويش وأتينا على موضوع العودة، فقال لي إنه تخيّل العودة في قصيدته "مأساة النرجس.. ملهاة الفضة" (1990) حين كتب: عادوا./ عادوا من آخر النفق الطويل إلى مراياهم.. عادوا/ عادوا ليحتفلوا بماء وجودهم، ويرتبوا هذا الهواء/ ويزوجوا أبناءهم لبناتهم، ويرقصوا جسداً توارى في الرخام/ ويعلقوا بسقوفهم بصلاً، وبامية، وثوماً للشتاء.
وكان الشاعر، بعد الخروج من بيروت 1982، وبعد أحداث صبرا في أيلول، كان ترك صبرا تسأل المقاومين الراحلين السؤال التالي: "لم ترحلون/ وتتركون نساءكم في بطن ليل من حديد؟ وتبع هذا السؤال أسئلة أخرى هي: كم مرة ستسافرون/ وإلى متى ستسافرون/ ولأي حلم/ إذا رجعتم، ذات يوم، فلأي منفى ترجعون؟ لأي منفى ترجعون؟.
وشكلت الكتابة عن العودة في شعره ونثره مادة خصبة تستحق المتابعة. حين عاد إبراهيم أبو لغد جثة إلى يافا ليدفن فيها، كتب درويش عن هذه العودة "لقد أنجز إبراهيم حق العودة بطريقته الخاصة. كان حالماً، لا واهماً. ولكن في عودته الفردية دلالة أخلاقية وتعبيراً عن التزام بمصير شعب اعتز بالانتماء إليه."
وحين تحرر الجنوب اللبناني في أيار 2000، كتب الشاعر عن فرح جماعي بعودة جماعية، لا عن فرح فردي. وفي "المنفى المتدرّج" كتب عن عودته هو إلى رام الله، لا إلى الجليل، ورأى فيها عودة زائر" يعود الزائر بعدها إلى توازنه الصعب بين منفى لا بد منه ووطن لا بد منه... ولم أعد بعد".
في النصوص الأدبية التي أنجزت بعد (أوسلو) طرق موضوع العودة أدباء كثر، وكان كثيرون من هؤلاء من مناطق فلسطين المحتلة في العام 1948، بل إن منهم من كان لبنانياً ولم يعد إلى فلسطين كإلياس خوري الذي كتب في "باب الشمس" (1998) عن عودة أم حسن اللاجئة لزيارة بيتها في الكويكات. عادت زائرة، وحين استغربت (ايملا اكويك) اليهودية اللبنانية من أم حسن، إذ كيف تترك بيروت لتعود إلى قرية، تجيبها أم حسن: "بس أنا لا أعيش في بيروت. أنا أعيش في المخيم، والمخيم مجموعة قرى مكدّسة فوق بعضها بعضاً".
في كتابه "أرض الغزالة" (2003) يأتي حسن خضر على ما قاله له إلياس مرقص الذي تعلّم منه حسن الكثير، وكنّ له احتراماً كبيراً، بل إنه رأى فيه مثالاً احتذاه. كان إلياس ترك الحزب الشيوعي واختطّ لنفسه طريق المعرفة كقائد له في الحياة، فقد رأى قادة كثرا غدوا عبيد شعاراتهم، وحين كان حسن ينتمي إلى الجبهة الشعبية تحاور معه إلياس وأتى على سيرة الحكيم حبش باعتباره نموذجاً من هؤلاء القادة الذين يرفعون شعار العودة:
"أمينك العام يحب النضال. لو جاء شخص ما ووضع فلسطين بين يديه: خذ ها هي فلسطين. سيصيبه الرعب من احتمال حياة بلا نضال. سيقول: لا أريدها وأريد النضال. (ما بديش. بدي أناضل) (ص83).
وليد دهمان/ ربعي المدهون في رواية "مصائر" (2015) يزور فلسطين بجواز سفر بريطاني لينفذ رغبة إيفانا بنقل رمادها إلى عكا، وتسحره حيفا وعكا، وتقترح عليه زوجته جولي، ابنة إيفانا، العودة، وهو لم يكن يريد هذا، وحين تعيد إثارة السؤال عليه، وهما أيضاً في المطار يغادران: "هل اتخذت قراراً بخصوص ما اقترحته عليك قبل دخولنا إلى المطار.. أو فكرت فيه؟" يجيب: نناقشه حين نصل. وربما يفصح الجزء الثالث من روايات المدهون عن قرار بطله.
إن العودة التي تحققت لأبطال روايات كثيرة، وهي عودة زيارة لا أكثر، تعيد ما أثرته في بداية هذا المقال، تُرى لو تمكن هؤلاء من العودة فهل سيعودون؟ أم أنهم سيتصرفون تصرف كتاب معروفين ذكرتهم في مقال الأسبوع الماضي: عادوا، ولكنهم عادوا إلى حيث كانوا قبل 1993 ـ أي إلى المنفى!!
3. شتات العائلة وبركات الصهيونية: حياة معلّقة
وأنا أقرأ رواية عاطف أبو سيف "حياة معلّقة" (2013) تذكّرت رواية (ثيودور هرتسل) "أرض قديمة ـ جديدة" (1902) وتذكرت عائلتيْ أبي وأمي وما ألمّ بهما في أثناء نكبة 1948 وما تلاها.
في رواية (هرتسل) يسأل المسيحي (كينغز كورت) العربي رشيد بك، بعد أن يتحدّث اليهودي (شتاينك) عن الاستفادة التي جناها سكان البلاد العرب من قدوم الصهيونية، وموافقة رشيد بك على كلامه، يسأل (كورت) رشيد بك السؤال التالي: "ألم تنهدم مكانة سكان بلاد إسرائيل القدامى بسبب هجرة اليهود؟ ألم يضطروا إلى مغادرة البلاد؟ إنني أقصد الأكثرية الساحقة، فقد يكون ثمة أفراد استفادوا، ولكنهم لا يُتخذون مقياساً!". وهنا يجيب رشيد: "أي سؤال هذا! لقد كان هذا الأمر بركة لنا جميعاً، وفي الطليعة، طبعاً، أصحاب الأملاك الذين باعوا أراضيهم بأسعار عالية للمجتمع اليهودي، أو الذين حافظوا على أراضيهم بانتظار أسعار أعلى، فأنا شخصياً قد بعت الأراضي لمجتمعنا الجديد، وعلى هذا فقد وجدت خيراً عميماً".
وفي استذكار ما ألمّ بأبي وعائلته، وأمي وعائلتها، إثر نكبة 1948 عدت إلى أعوام خلت. في 60 ق20 عرفت أن لي أبناء عم في الشام، وتعرفت إليهم، فقد جاؤوا لزيارتنا في المخيم، وسأزورهم في 1975 حين أزور دمشق.
وبعد هزيمة حزيران 1967 تعرفت إلى عمتي رئيسة التي زارت إخوانها في الضفة، بعد انقطاع 19 عاماً، فقد هاجرت هي وزوجها إلى غزة، وسأتعرف إلى أبنائها وبناتها وسأزور غزة التي ربما ما كنت لأزورها لولا وجودها هناك ـ هذه "بركة" من "بركات" حرب 1967.
مات عمي في الشام، في بدايات هذا القرن، ولم يحضر جنازته أي من إخوته، وسيموت لي عم آخر في عمان، وسنعرف عن خبر موته من الآخرين. وعمي هذا الذي توفي في عمّان له ابن يقيم في مصر منذ 1948، فقد هاجرت زوجة عمي إلى هناك حيث أهلها، ولم نتعرف إلى ابنه، على الرغم من أن أخي حاول البحث عنه. هل اختلفت أحوال عائلة أمي؟
أيضاً، في 60 ق20 تعرفت إلى خالتي فاطمة التي استقرت بعد النكبة في دمشق مع زوجها السوري، كما تعرفت إلى بعض أبنائها الذين زارونا في تلك الفترة، وحين زرت الشام في 1975 زرت خالتي وتعرفت إلى من لم أتعرف إليه من أبنائها، وقد ماتت خالتي، دون أن يشارك كثيرون من أقربائها المقيمين في الضفة في جنازتها. وكل هذا، أيضاً، من "بركات" قيام دولة إسرائيل التي تحدث عنها العربي المتخيل في رواية (هرتسل): رشيد بك الذي رحب بالمشروع الصهيوني.
وأنا أقرأ رواية "حياة معلّقة" وأُتابع ما آلت إليه أسرة نعيم تذكرت ما سبق وتذكرت نصوصاً أدبية كثيرة صوّر كتابها شتات العائلات الفلسطينية.
لسميرة عزام قصة عنوانها "عام آخر" شخصيتها تقيم في لبنان وابنتها تقيم في الناصرة، وكلما جاءت الأم لتقابل ابنتها، على بوابة مندلباوم، اعتذرت البنت، لأن هناك ما يحول دون اللقاء: الولادة ومرض الزوج و.... . ولغسان كنفاني غير عمل أتى فيه على فكرة الشتات أبرز هذه الأعمال "ما تبقّى لكم" 1966. الأم تهاجر من يافا إلى الأردن، والبنت مريم وأخوها حامد يهاجران إلى غزة، فيما يستشهد الأب في يافا. هذه، أيضاً، "بركة" من "بركات" المشروع الصهيوني.
وفي "سداسية الأيام الستة" يُصوّر أميل حبيبي لقاء العائلة إثر حرب حزيران، وهو ما بدا في قصة "حين سعد مسعود بابن عمه"، وإذا كانت حرب 1948 فرقت بين الإخوة، واحد في الناصرة والثاني في مخيم جنين، وهذه صورة من صور شتات العائلة، فإن حرب 1967 مكنت أبناء العمومة من الالتقاء.
ولا تخلو رواية "المتشائل" من الإتيان على نوع آخر من الشتات له دلالته الرمزية، فنكبة 1948 فرقت بين الحبيبين: سعيد ويعاد.
ربما من آخر الأعمال الأدبية، قبل "حياة معلّقة" التي أبرزت فكرة الشتات روايات يحيى يخلف "ماء السماء" و"جنة ونار" ـ لم أقرأ الأخيرة وقرأت عنها ـ وروايتيْ سامية عيسى "حليب التين" و"فسحة في كوبنهاجن"، وفيهما تتسع رقعة المنفى، وليعذرني روائيون آخرون كتبوا عن الفكرة نفسها.
تجسّد رواية "حياة معلّقة" هذه الفكرة، وتكاد تتوازى، جزئياً، في هذا الجانب، مع رواية "ما تبقّى لكم".
الهجرة تتم من يافا، وبعض أفراد العائلة يستشهدون في حرب 1948، وآخرون يقيمون في غزة، وقسم يقيم في الأردن أو في بيروت أو.. أو... . (سأعرف أن أسرة عاطف أبو سيف من يافا، وأن ما ألمّ بأسرة أهلي ألمّ بأسرة والده).
من الشخصيات الرئيسة في رواية عاطف يافا، وهي من مواليد غزة، خلافاً لأبيها الذي ولد في يافا المدينة، وفي العام 1948 تفرّقت العائلة أيدي عرب، على رأي أميل حبيبي، ولم يعد والد يافا نعيم يعرف شيئاً عن أخيه الأوسط.
وحين تقرر يافا زيارة بيروت زيارة عمل تبحث هناك عن عمها، وتزور المخيمات، مع نادر المقيم في لبنان، ليساعدها في البحث.
وستحصل الدهشة حين يكتشفان أنهما أبناء عم، وهكذا يقرران الزواج. "فالحاج توفيق سرحان سيقول ليافا إنه هاجر للبنان مباشرة عند النكبة، وعرف بعد ذلك أن أحد إخوته يعيش في مخيم الوحدات قرب عمّان وأن (أخاه) الآخر يعيش في الضفة الغربية ثم انقطعت أخبار الأخ الثاني منذ ثلاثين سنة...... وعليه لم يعد نادر فقط حبيبها وخطيب المستقبل، بل، أيضاً، ابن عمها." (ص229)، وهذه النهاية السعيدة للبداية الأليمة هي، أيضاً، من "بركات" المشروع الصهيوني. هل كنا سنعثر على نهاية كهذه إلاّ في رواية (فولتير): "كنديد" ورواية حبيبي "المتشائل"، وهذه، أيضاً، "بركة" من "بركات" أبناء العمومة!! كما رآها (هرتسل) وأوردها على لسان رشيد بك!.
4. لقاء العائلة :بركات الانتداب والهزيمة
في دراسته الشعر الفلسطيني يأتي د.إحسان عباس على سياسة الانتداب البريطاني،ويذكر مثالبها ومحاسنها،ومن اﻷخيرة إنشاء المدارس وتشجيع اﻷحزاب وإقامة النوادي وإصدار الصحف وتعبيد الطرق و....ولم يذكر د.عباس لم/جمع شتات العائلة بعد 1948.وهذا من بركات الانتداب.
في تموز 1967 تعرفت إلى بنات عم أمي :ليلى ونجاح ،وإلى أخيهما محمد أيضا.زار هؤلاء أقاربهم في نابلس ،والتم شتات العائلة،كما حدث في قصة آميل حبيبي "حين سعد مسعود بابن عمه " .،وسعدت العائلة وتبادلت الزيارات،بل وتقاربت أكثر وأكثر من خلال الزواج، فقد تزوج أحد أبناء ليلى من ابنة خالتي أم عارف.وهذا من بركات الهزيمة.
وفي أثناء إتيان أمي على سيرة ابنتي عمها عرفت أنهما هاجرتا من يافا عام 1948 مع عمهما إلى نابلس،وأقامتا فيها لفترة من الوقت ثم عادتا إلى يافا لتقيما مع أبيهما الذي كان شرطيا -على ما أذكر - مع قوات الانتداب،وظل في وظيفته ولم يهاجر،وتمكن من لم شمل عائلتهه ،فعادت إليه بقية أسرته.هذا من بركات عمله مع شرطة الانتداب.
إن آل أبو العافية أصحاب الفرن الشهير في يافا،وأصحاب المطاعم هم أبناء ابنة عم أمي التي زارتنا مرارا ،وكان اللقاء معها وديا جدا ،وأظن أنها ما زالت تقيم في يافا ،ولو كانت أمي على قيد الحياة لسألتها.
عودة ابنتي عم أمي وأخيهما ولم شمل عائلتهم كانت عودة فردية،لطالما حفل اﻷدب الفلسطيني بالإتيان عليها.كانت حلما عبر عنه الشعراء، كما في قصيدة أبي سلمى "سنعود"1951 ،وكما في قصيدة فدوى طوقان "نداء اﻷرض "1955 ،وفي هاتين القصيدتين تعبير عن حلم العودة :
ويسألني الرفاق:ألا لقاء وهل من عودة بعد الغياب؟
ويجيب أبو سلمى:أجل سنعود،ستعود آلاف الضحايا.ومات أبو سلمى في الغربة 1980 ولم يعد.
وتكتب فدوى عن لاجيء استبد به الحنين،ذات ربيع ،فتسلل إلى أرضه ليموت على ثراها،وهذا ما كان له ،فقد رصده الجنود وأطلقوا عليه النار ومات.لم ترق له حياة المنفى ،فآثر العودة تسللا.
حتى اﻷدبيات الفلسطينية في اﻷرض المحتلة في العام 1948 حفلت بالكتابة عن عودات فردية ،تسللا أو زيارة.كانت قصة حنا ابراهيم في مجموعته "أزهار برية " "سارة "تصور شكلا مماثلا للعودة التي تحققت مع ابنتي عم أمي وأخيهما،ولكن المرأة تعود متسللة وتطرد إلى خارج الحدود،ثم يقتلها الجنود بحجة أنها مخربة،وهي كذبة تكتشفها سارة التي لم تعد تؤمن بصحافة دولتها.
في رواية حبيبي تعود يعاد زائرة فتطرد إذ أرادت البقاء ،وتأتي ابنتها يعاد الثانية لتزور أخاها السجين /الفدائي .لقد عادت زائرة ،ولكنها ستغادر.
لغسان كنفاني قصة مبكرة عنوانها "درب إلى خائن "بطلها يعمل في الكويت ويقرر أن يعود إلى اللد ليقتل قريبه الخائن المتعاون مع الاحتلال،ولكنه يسجن في اﻷردن.
وسيكتب نبيل ابو حمد،وهو لبناني من ام فلسطينية،فيما بعد العام 2000رواية "العطيلي"،وياتي فيها على شحاد فلسطيني كان اودع نقوده لدى صديقه اليهودي حاييم .العطيلي يعود متسللا من اجل نقوده.واخر العودات كانت عودة القاص والروائي توفيق فياض الذي ابعد من وطنه في العام 1974.لم يعد فياض من خلال (اوسلو)،وانما رفع قضية من خلال محام وعاد.
هل نعيد ذكر عودات كتاب بعد 1993؟محمود شقير وخليل السواحري ومحمود درويش واكرم هنية ويحيى يخلف و..و..و..وهل تعد عودة هؤلاء مختلفة عن عودة الاولين؟هل تدرج تحت باب "عودة جماعية "،لا "عودة فردية "؟هل هي عودة دق جدران الخزان،حيث ظلت م.ت.ف منذ 60ق20تدق من اجل العودة،فحققت جزءا منها كان موضع اشكال.
حمل الشتات معه بذور العودة،واختلفت هذه العودة واتخذت الاشكال التي اوردتها ،وكانت كلها عودات تعبر عما يعتمل في داخل الفلسطيني اللاجيء المنفي،وربما ما زال حلم العودة يراود فلسطينيين كثيرين.
اخر شكل من اشكال العودة كان،في الادب،هو عودة وليد دهمان،الشخصية المحورية في رواية ربعي المدهون "مصائر "2015.عاد وليد دهمان بجواز سفر بريطاني،وعودته تشبه عودة المؤلف نفسه،فقد حصل ربعي على الجنسية البريطانية وزار فلسطين بواسطتها.هنا نعود الى الدكتور ابراهيم ابو لغد الذي عاد الى يافا اخيرا بواسطة الجنسية الاميركية التي بواسطتها عاد الى رام الله وبير زيت.ومثل ابو لغد زار ادوارد سعيد وهشام شرابي واخرون فلسطين.
في "حيرة العائد"يتساءل محمود درويش ان كان عاد اصلا،فوطنه هو الجليل،ولكنه لم يعد اليه،والتم شمله مع امه،ولكن لساعات فقط.وهذا كله ببركات....الخ..الخ
2016-02-09 || 00:00