في نابلس
كثيرون كتبوا في عشق نابلس وحاولوا وصف ما يشعرون به وهم يتمشون في أسواق وأزقة بلدتها القديمة. الدوزية روان علمية سطرت فيض مشاعرها بهذه السطور.
تمشي من بيتك إلى عملك أو مدرستك، فتسلك الطريق التي تعهدها والتي طُبعت في ذهنك، كما طُبع اسمك على ورقة في سجلات النفوس. فحفظتها كما حفظت اسمك. وأحيانا تغير الطريق، فمرة تسلك اليمين ومرة تسلك الشمال وتضيع فينة أخرى بين هذا وذاك. فتكتشف جمال مدينتك الصغيرة بقديمها وحديثها، ممتدة بين جبلين شامخين.
تمر بشوارع تكاد تنطق بتاريخها العريق ومحال تعج بأصحابها وبالناس. مبان حديثة لا تخفي قدم الأرض من تحتها، ومبان قديمة صمدت فباتت رمز العزة وغدت تحفة فنية للناظر والباحث في جذورها الضاربة في عمق الأرض تحكي حكاية الأقوام، التي مرت عليها، فتبدأ من حضارة بني كنعان إلى سكانها الحاليين.
تمر على السوق، فيأخذك صوت البائعين، كل ينادي على بضاعته. فهذا ينادي "خليلي يا عنب" وذاك ينادي "ريحاوي يا موز". تمشي بين كل ذلك الصخب وتتسلل إلى قلبك فرحة لا تعلم مصدرها. ربما هي رائحة الكنافة التي تُعد في المحل الثالث على الزاوية اليمنى على بعد خمسة أمتار منك. تنظر إلى السدر الموضوع على المنضدة من بعيد فيسيل لعابك مع سيلان القطر فوق الكنافة والجبن الأبيض داخلها يشبه بياض يوم ثلجي عاصف، كسا الثلج فيه الأرض وألبسها ثوب أبيض.
أو ربما هم الأولاد الذين يتسابقون على جر عربة ثقيلة محملة بالبرتقال لجدهم السبعيني، الذي لا زال يقف في ركنه المعتاد كل يوم ليبيع البرتقال. تجبره ذاكرته على الرجوع إلى أيام يافا وبرتقالها، فيباغتها بالسؤال ويُلح "هل تعرفين أن هذا البرتقال أيضا من يافا؟ نعم من نفس يافا. ولكن الطعم ليس الطعم والرائحة ليست نفسها، حتى اللون تغير من بعد الغياب، والأيدي الزارعة تغيرت. فالأيادي الزارعة قبل الثمانية وأربعين أصبحت اليوم شارية، وغدت الأيادي، التي لم تكن تعرف البرتقال ولا يافا هي الزارعة والحاصدة".
فوا صلاح الدين!!
تكمل المشي، وتتوغل أكثر في السوق فيسحرك جمال الحارات القديمة والزقاق.
تمشي بين المحال وتنظر إلى واجهاتها الزجاجية، فتراها تعكس ضوء الشمس في خيوط ذهبية. وتمر على سبيل ماء أزرق يعكس لون السماء ووجهك الحسن.
تمر بالحدادين والنحاسين والفخاريين والعطارين في الخان. فتشتم رائحة والله لها لسان تخاطبك لو أصغيت.
تنتهي عند طريق ضيقة، تنحرف إلى اليمين، فتجد جامعاً وساعة يشهدان بأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".
الكاتبة: روان علمية
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز
2016-02-06 || 14:34