قراءة في مجموعة "كما ولدتني اللدية" لأسماء عزايزة
يعرفها كثيرون من خلال برامجها التلفزيونية ونشاطاتها الثقافية: الشاعرة الحيفاوية أسماء عزايزة، من مواليد قرية دبورية في الجليل وترجمت قصائدها إلى عدة لغات منها الإنجليزية والألمانية والسويدية والفرنسية. عمر زيادة يقدم قراءة في ديوانها الجديد.
في مقدمة المجموعة، تبدأ الشاعرة أسماء عزايزة باستعراض ميثيولجي هائل على لسان "بعل"، الذي يقوم خلال هذا النص بزيارة فلسطين عام 2015 خالعا عن نفسه ثوب الإلوهة ونازعا القصص والأساطير من كلّ من تشبّهوا به. بعل الكنعانيّ، وهو إله الحقول والقمح والحرب والبدايات الجديدة لدى الفلسطينيين القدماء، كان نافذة مثالية تطلّ من خلالها الشاعرة على مساحة تاريخية حداثية مهمة بين الأسطورة في زمنين متداخلين.ذاك الذي يتجسد في النصوص الدينية وهذا الذي يحدث الآن في واقع لا يختلف كثيراً.
الشخصيات الحاضرة والتي طرحها "بعل الكنعانيّ" كامتداد لصورته في هذه المقدمة تشبه أعمدة أساسية يتكئ عليها النص. وهي ستظلّ حاضرة بشكل أو بآخر طوال المجموعة مثل "جرجس" و "الخضر" و"موسى" و"إلياهو".
المجموعة مقسمة إلى ثلاثة أجزاء رئيسية بخلاف المقدمة وهي "كتف اللدية"، "قلب اللدية"، و"رحم اللدية" وتلخص لنا التجارب والوقائع والآلام التي يمرّ بها بعل خلال رحلته الأسطورية.
وقبل الدخول في الجزء الأول تشيرُ الشاعرة إلى الخروج في العهد القديم بصفته حجر زاوية وسبباً مهما لكلّ الأحداث اللاحقة والنكبات التي حلت بالفلسطينيين،. حيث تعيد نقطة الخراب ليس ببدء الاحتلال الإسرائيلي وقيام دولته في عام 1948 بل إلى نقطة بدائية تماما عندما خرج موسى بالعبرانيين من مصر وجاء بهم إلى هذه الأرض.
عمدت الشاعرة في الجزء الأول من الرحلة/ النصّ" كتف اللدية" إلى رفع درجة اشتباك الخروج التوراتيّ العبرانيّ بالأسطورة الكنعانية الفلسطينية من خلال تقديم شخصيات فلسطينية من التوراة نفسها أولا مثل "مار جرجس" القديس المولود في مدينة اللدّ أساساً، ومن ثمّ امتدّ ذلك إلى شخوص أخرى كـ "الظاهر عمر".
الأغاني الفلسطينية والموروث الشعبي كانت حاضرة بقوة ويتردد صداها في رأس بعل كأنما تأخذه إلى الخطى الحقيقية في هذه الأرض، إلى العرق الحقيقي، والدم الحقيقي أيضا، لا تلك التي تصنعها الكتب والعهود القديمة أو الكتب التي يخضعها المؤرخ لرغبته.
قلب اللدية
وهذا يقودنا "إلى قلب اللدية"، حيث يصل بعل إلى القدس الحديثة. في هذا الجزء المهم من النصّ توظف الشاعرة بذكاء نصا توراتياً من "سفر إشعياء" في نحيب أورشاليميّ خالص تبدو فيه المدينة مثل عجوز مهزومة ووحيدة ومتروكة:
"اِنْهَضِي، انْهَضِي! قُومِي يَا أُورُشَلِيمُ الَّتِي شَرِبْتِ مِنْ يَدِ الرَّبِّ كَأْسَ غَضَبِهِ، ....
لَيْسَ لَهَا مَنْ يَقُودُهَا مِنْ جَمِيعِ الْبَنِينَ الَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ، وَلَيْسَ مَنْ يُمْسِكُ بِيَدِهَا مِنْ جَمِيعِ الْبَنِينَ الَّذِينَ رَبَّتْهُمْ".
تشير من خلال هذا النصّ إلى أن الخراب القديم المتعاقب لم يكن ليختلف على أية حال عن خرابها الحاليّ، حيث يستلم فيها ابن سلوان أمر إخلاء بيته قبل أن يهدم، ويجلس المحامون على شرف البيوت في وادي الصليب. وهذا الخراب لا تختصّ به القدس وحدها، فهو يمتد إلى النقب ومشروع برافر، حيث تقف العراقيب وتلّ الملح في مواجهة المحو الجغرافي السياسي الهائل.
"أحلّفكنّ يا بنات النجب بالرمال وأفراس الصحراء ألا تيقظن الحبيب حتى يشاء.."
ولا بدّ أن هذه الفسيفساء المهدمة التي يتمشى عليها بعل ستجد حيزاً لقطعة أخرى قديمة ومهمة مثل سدوم، التي صار بإمكان الإنسان أن يخلقها ويُحْدِثَها في أي وقت يشاؤه. في هذا الحاضر الملغوم ، الحاضر الذي يمكن للجنرال الجالس في قمرته أن يمسح تاريخاً كاملاً بكبسة زائر، بصاروخ وقنبلة واحدة. ذلك أن سدوم لم تعد حكراً على الربّ.
الفلسطينيّ المحاصر بالتصاريح والأسيجة تظهر صورته في بعل الذي يقف أمام لافتة "بيت إيل"، حيث يفتح باب الأسئلة الكبير على مصراعيه"ما الذي جاء بكم إلى هذه التلال؟!"، وحيث سيجد نفسه بعد حوار طويل وقد صار بلا رمح ولا فرس ولا سيف ولا حتى عباءة، راغباً في المضيّ بلا تصريح من نبوءتهم .. المضيّ بعيداً .. فحسب.
رحم اللدّية
في الجزء الأخير من النصّ "رحم اللدية"، يستقلّ بعلُ حافلةً تأخذه على طريق "رابين 6"، الذي يقطع البلاد من جنوبها حتى شمالها. وها هو بعل يتأمل الطريق الطويل وقد سدته عظام اليهود الناجين من مذابح ومحارق وسجون النازيين، الطريق ذاته الذي عُبّد بحجارة البيوت المهدمة في وادي عارة، بيوت الفلسطينيين اللاجئين، ويستمرّ الطريق في الحفر داخل هذه الذاكرة الشائكة حتى يخاطب السائق:
" أيّها السائق،
أنزلني عند باب اللدّ".
حيث تكون نهاية رحلته وحيث ينادي أمّه اللدّ طالبا منها أن تأخذه إليها وأن تنقذه من أولئك الذين اتخذوا صفاته وصورته من صفحات التاريخ الفاسدة، من الجغرافيا المنتهكة، من اللغة التي لا تشبهه، من الحاضر الذي لا يقرؤه ولا يفهمه، من الحروب القاسية والديانات المتناحرة في بقعة الدم هذه، وأن تعيده نطفة رحمها الذي من نورٍ وطينْ.
مجموعة "كما ولدتني اللدية" الواقعة في 69 صفحة والصادرة عن دار الأهلية عام 2016، تقدم لنا شعراً مغايراً خاضت من خلاله الشاعرة تجربة خطيرة وحساسة حقا في محاورة النصوص الدينية والواقع السياسي والأساطير التاريخية. هذه التحربة لم تكن تجريباً سطحياً بل هي قائمة على دراسة وتنقيب عميقين تتضح معالمهما في المادة التي بين أيدينا. والأهمّ هو أنها لم تتخلّ عن الجماليات الشعرية في اللغة والصورة، بل على العكس قدمت نصا متوازناً يمكن اعتباره بالتأكيد امتدادا واعياً لمجموعتها الأولى "ليوا".
الكاتب: الشاعر عمر زيادة
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2016-02-02 || 11:40