جاجة جارتنا - ستي أم خليل
أن تسمح لك جدتك بذبح دجاجة، يعني أنك تجاوزت مرحلة الطفولة ودخلت في مرحلة التفريق بين الطهارة والنجاسة. أنور حمام يستذكر هذه المرحلة من طفولته وكيف صار يذبح دجاجات جاراته في مخيم بلاطة.
كانت فرصة استثنائية أن تفلت إحدى دجاجات جارتنا العجوز "ستي أم خليل" من الحاكورة الصغيرة لبيتها في المخيم، إن ذلك يعني فورا أن نكلف نحن صبية الحارة بالبحث عنها وملاحقتها بين الأزقة الضيقة. كنا نفرح بهذا الحدث ونترك ما بأيدينا من ألعاب ودفاتر ومهام صغيرة لننطلق نحو مهمتنا الكبرى والشاقة والممتعة في ذات الوقت.
ما لا يعرفه الكثيرون أن الدجاج يسير بلا اتجاهات يمكن توقعها، بل تسير بحركة عشوائية وبأقل من ثانية تعكس اتجاه سيرها لتبدأ الركض باتجاه معاكس، وما إن تلتفت حتى تعيد الالتفاف مرة أخرى وأخرى مغيرةً الاتجاه مرات ومرات. كان مشهد الدجاجة تركض وخلفها قطار من صبية الحارة (أحمد، غسان، عبود، أنور، فؤاد، ومصطفى). كان مشهدا يثير الضحك. كنا دائما منهمكين بوضع الخطط لمحاصرة الدجاجة، وتوزيع أنفسنا على الأزقة والمداخل، حتى نحكم إغلاق الممرات. وفي كل مرة كانت تقف الدجاجة تتأمل من يحاصرها، يتقدم أحدنا ويحاول أن يلقي بكل ثقله على الأرض من أجل الإمساك بها، كأي حارس مرمى، لكن للأسف كانت الدجاجة بكل خفه وثقة وسرعة تقفز تاركةً خلفها صبي ما يصرخ غضبا ويشتم ويتمتم لأنه لم يتمكن من الإمساك بها.
ستي أم خليل كانت تقف كمشرف عام على خططنا للهجوم ومحاصرة الدجاجة، تردد عبارات: يا قاروط الحقها. ولك نط امسكها. حلقلها من الزقه. مش عيب عليكم جاجة هبلة تضحك عليكم؟ يا ويل ويله اللي بضربها بحجر!. كانت المعركة تبدو بلا نهاية، هجومنا كان يقابل بتكتيك رشيق من قبل الدجاجة التي كانت في كل مرة تقف وتنظر إلينا وكان لسان حالها يقول "والله لأخلي كل الحارة تتفرج عليكم".
وفي لحظة ما غير متوقعة، وبعد أن يصل بنا التعب لحد لا يطاق، وقبل أن نرفع راياتنا البيضاء بقليل، تقف الدجاجة وتسلم نفسها لنا بكل بساطة وكأنها هي أيضا قد أنهت لعبتها معنا.
يبدأ الصراع بيننا، من سيحمل الدجاجة؟ ومن سيحظى بشرف تسليمها شخصيا لأم خليل؟. عادةً كان الذي أمسك بها أولاً يركض بلا تفكير مسرعا نحو باب ستي أم خليل، التي كانت تقف منتظرةً.
في أحد الأيام كنت أنا نفسي من استطاع أن يمسك بالدجاجة. ذهبت مسرعا لجارتنا، وقلت لها: هي الجاجة المجنونة.
قالت ستي أم خليل لي: "بدي أذبحها. إنت بتعرف تذبح؟"
قلت لها: "يا ستي والله بعرف". ثم نظرت نحوي بنظرة تفحصتني بها، نظرة لم أفهمها إلا بعد سنوات.
قالت لي: "يا ولد إنت كبير".
قلت لها: "آه كبير".
قالت لي: "كبير يعني إنت كبرت".
قلت لها: "آه كبرت".
وبعد تردد قالت لي: "روح نادي جارنا أبو العبد عشان يذبح الجاجة. إنت لساتك صغير".
عدت إلى البيت وسألت ستي: "يا ستي ليش ستي أم خليل ما خلتني أذبح الجاجة، وقالت لي إنت لسه مش كبير؟".
ردت ستي علي: "لما تكبر يا ستي بتعرف".
بعد فترة من الزمن سمحت لي ستي أم العبد بذبح إحدى دجاجاتها، وما إن أنهيت مهمتي حتى ذهبت لستي أم خليل وبدأت أصرخ: "يا يا ستي.. يا ستي يا أم خليل! يا أم خليل.. أنا ذبحت جاجة اليوم وستي أم العبد سمحتلي، أنا صرت كبير".
يومها عرفت أن احد شروط ستي أم خليل هي أن يكون من يقوم بهذه المهمة بالغاً.
===========
كل الختياريات في الحارة كنا نحكيلهم ستي أم عدنان، ستي أم خليل، ستي أم العبد، ستي أم جميل.
الله يرحمهم
الكاتب: أنور حمام
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز
2016-01-16 || 10:55