حكاية وداع سنوي
مع بداية العام الجديد 2016، الطالبة في جامعة النجاح إيمان فقها تستذكر عامها الماضي بمواجع مرت واَمال كُسرت. ولأن إيمان مليئة بالإيمان، فهي ترحب بـ 2016 بكل إيجابية وعفوية.
"سامحني.. سامحني.. سامحني.."، هي كلمات لا زالت تتردّد بين أذهان كل من شاهد ذلك الموقف، لم يكن مشهداً تلفزيونياً تنتهي حلقاته بدراما خيالية، إنها صورة من غابوا بأجسادهم عنا فتركوا مسافات وداع حُفرت بكياننا، كيف لا ونحن من خُلقنا من أضلعهم؟ من سهروا ليالٍ طوال كي ننمو بين أحضانهم فراشات تزهو بألوانها في كل مكان.
الزميلة والطالبة من قسم العلاقات العامة في جامعة النجاح إيثار الجابي، ودعت والدها ماهر الجابي الذي اغتاله غدر الاحتلال الإسرائيلي. تلك الزميلة التي أبكتنا بتكرارها كلمة "سامحني"، لم تحن يوماً عن ابتسامتها الطفولية، فهي فخورة بكونها "ابنة الشهيد".
هي مسافة طريق بائس من جنين لطولكرم، "هناك شهيد جديد، شهيد جديد" أحاول التدقيق باسمه جيداً، أعرفه أم لا أعرفه ليس مهماً، فما يجمعنا أننا بالمكان ذاته نعيش الوجع نفسه، وعند مروي من كل حاجز أدقق في أوجه من فُتح لهم الطريق هنا، وجوههم وهيأتهم عربية.
أسرح بمخيلتي كثيراً وأعود لتذكر من غابوا عنا، كيف استطاع الموت أن يبعدهم. في البارحة جلسنا سوياً وضحكنا بملء أفواهنا، استعدنا ذكريات الطفولة وشغبنا أيام المدرسة. وعند وصولي بيتنا تفقدت المواقع والصفحات الفيسبوكية، أيضاً هناك شهيد. أشعر بقشعريرة تحوم جسمي وأتساءل: هل شعروا أنهم لن يروه مرة أخرى؟ أين الوداع الأخير؟ أين النظرة الأخيرة؟.
أحلام تكسرت
هو عام حمل بين طياته قصصاً وحكايا عدة، ففي طرقات هذا البيت الرائحة ذاتها، التي تتسلل إلى مخيلتك لتقول "ما السر وراءها؟"، كنت أظنه شغف عائلة لتناول "الملوخية" لكن ما وراء ذلك الجدار أعمق بكثير. لقد حلم قبل أن يزف عريساً إلى السماء بتناول "الملوخية" فردد لوالدته قائلاً: "يما مشتهي الملوخية أمانة عليك اعمليلي إياها اليوم"، ها هي تعدها يومياً لك، أنت غادرت وبقاياك في كل ركن موجودة.
وفي زاوية بيت آخر هناك بدلة عرس قد عاث عليها الغبار، ولم تتمكن هذه العروس من ارتدائها، فقنصات الاحتلال الإسرائيلي أردت بشريك حياتها لتبقى هي وذكرياتها محفورة دون زوال. وعند مفرق ذلك المنزل طفل لا يتجاوز أربعة أعوام، تقاسيم وجهه تتكلل بالبؤس، فهو لا زال ينتظر عودة أبيه ليجلب له هديته اليومية المعتادة. يا لوجع قلبك هو الآن يلمح نظراتك من بين فتحات السماء.
أما بين غرفة وأخرى فطالبة جامعية تفكر بقوت عائلتها، وكيف لها أن تؤمن قسطها الجامعي، وحال لسانها يقول "ماذا لو كان التعليم مجانياً، كيف بي أن أدفع هذا المبلغ؟ من أين". وبين خيوط الشمس عجوز أُثقل كاهله، فاستيقظ باكراً ليؤمن لقمة عيش أولاده. ترى بين عينيه حزناً معبقاً بآلام عدة، رِجل للأمام وأخرى للوراء لا تستطيع الوقوف، لكنه يحاول السيطرة كي لا يمد يده للناس.
"صوريلي هاد المكان، اشتقت أشوف حارتنا"، وهناك شباب غادروا الوطن كي يعودوا محملين بشهادات عليا. اشتاقوا لطرقاته، لأماكنهم الغائبة، لحيّهم، لأحاديث عائلاتهم، لقصصهم مع أصدقائهم، لكثير وكثير. لكلّ منا حكاية وقصة ودعت هذا العام، وأثنت إخفاقاً يتلوه نجاح، لقاء يتبعه وداع، وأحلام تنتظر إجابة، هي حكاية وداع سنويّ في جعبتها أسرار عدّة.
شكراً لمن كان معنا وشدّ على أيدينا في الفرح والحزن، شكراً لمن رفع من معنوياتنا فنهض بنا عالياً، شكراَ لمن ترك بصمات واضحة مشرقة في حياتنا، وداعاً 2015، ومرحباً بك يا 2016.
الكاتبة: إيمان فقها
المحررة: جلاء أبو عرب
- هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2016-01-01 || 19:01