خططت لزيارة رام الله.. فزرت القدس
للقدس مكانة خاصة في وجدان الفلسطينيين، خاصة منذ بات الوصول إليها شبه مستحيل لغالبيتهم بما فيهم سكان الضفة. أستاذ الأدب العربي في جامعة النجاح بنابلس عادل الأسطة "نجح" في دخول مدينة القدس ويروي في هذه الحلقات قصته.
خططت لزيارة رام الله، فزرت القدس. وفي الجامعة التقيت بالدكتور محمد رباع، فسألني إن كنت أرغب في الذهاب إلى وسط المدينة، وخلال الطريق أخبرني أنه ذاهب إلى قلنديا لاستقبال عائلته. أما أنا، فأخبرته أني ذاهبٌ إلى رام الله وأصرَّ أن أبقى معه في الطريق، حيث إنه أراد أن يوصلني إلى رام الله لا إلى معبر قلنديا كما اتفقنا، ولكني أصررت على ما اتفقنا عليه وقلت له سأزور القدس، ووجدتني في القدس.
على المعبر نظرت جندية شابة في هويتي وأعطتني إشارة بالمرور وابتسمت - يبدو أنها كانت في لحظة فرح - وقانون اﻷعادي يسّر لي هذه المرة الدخول. وهكذا وجدتني داخل السورين: القديم والجديد/الحديث، ووجدتني أكرر قول محمود درويش: في القدس، أعني داخل السور القديم، بدلاً من تكرار قول تميم البرغوثي: مررنا على دار الحبيب فردّنا عن الدار قانون اﻷعادي وسورُها.
وﻷول مرة منذ سبع سنوات وجدت ميزة للتقدم في السن، فأنا الآن فوق الستين وقانون اﻷعادي يسمح لمن هم فوق الستين أن يدخلوا إلى القدس دون تصريح من دولة أبناء العمومة. ها أنا لا أشكو من أوجاع الجسد، فلقد نسيتها على المعبر وأنا أصعد الحافلة إلى باب العامود، الذي لم أره منذ نهاية عام 1992، فكنت في آب وأيلول وتشرين أول من ذلك العام قد زرت القدس غير مرة متسللاً غير آبهٍ بالقانون الإسرائيلي، حيث كنت أتسلل إلى مبنى جريدة الشعب لأحرر الصفحة الثقافية وأعود وكلي قلق وخوف من احتجاز لمدة يومين ودفع غرامة 600 شيكل وهو ضعف ما كانت تدفعه لي الجريدة.
ها أنا إذن داخل السورين: الجديد/ الحديث والقديم وقد استبدلت الخوف بخوف آخر - هذه المرة لم يكن الخوف من الشرطي والاعتقال والغرامة - وإنما من اﻷحداث المفاجئة في مدينة السلام والقلق من المستوطنين المتشددين.
في الطريق من المعبر إلى باب العامود كنت أراقب التغيرات التي طرأت على المكان وأظن أنني شاهدت بعضها في 1998 حين زرت أمي في مشفى المطلع، أو في عام 2000 حين شاركت في دفن نسيبٍ مقدسيٍ. ولا أرى في زيارة أمي والمشاركة في دفن النسيب زيارة للمدينة، فقد تمتا خلسةً وكانتا أشبه بدخول لصٍ إلى منزلٍ ليسرقه فلا يلتفت إلى المكان؛ لأن ذهنه مشغول بما سيسرقه وبنجاح عملية السطو والخروج سالماً غانماً.
هل هذه هي شعفاط التي أعرف؟ هل هذه هي بيت حنينا التي أعرف؟
وسأتذكر بيت اسحق موسى الحسيني، الذي زرته مرة ﻷسأل د. اسحق عن نجاتي صدقي، حتى ينجز شخص رسالة ماجستير عن كاتب القصة القصيرة، فأين هو بيت الحسيني؟ المنطقة تغيرت تغيراً كبيراً وأنا لم أتمعن جانبي الطريق جيداً منذ عام 1987، فما قمت به من زيارات بعد العام المذكور كان زياراتٍ خاطفةً عابرةً سريعة.
الكاتب: عادل الأسطة
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2016-02-08 || 18:00