ميروتشوب - قصة قصيرة
نبأ ويقين طالبتان بالمريول الأخضر تحلمان بآلة زمن قادرة على نقلهما بلمح البصر من كوكب إلى آخر. الميروتل جهاز تتوقع الطالبة في جامعة القدس المفتوحة أماني صعابنة أن يأتي يوم ويصبح عادياً للأجيال القادمة، مثل الراديو والطائرة والإنترنت لجيلنا. دوز ينشر القصة
استيقظت نبأ من نومها متأخرة كعادتها، وإذا لم تستخدم سحرها في تجهيز نفسها بسرعة البرق، فسوف تتأخر عن دوامها المدرسي الجديد خصوصا بعد أن تم نقلها من مدرستها في كوكب المريخ إلى مدرسة القمر عقاباً على فشلها في إنجاز مشروعها المدرسي الأخير.
أخذت نبأ عصاها السحرية وجهزت نفسها بواسطتها وأمسكت جهاز التنقل السريع (الميروتل) وذهبت إلى مدرستها الجديدة في القمر خلال بضع أجزاء من الثانية.
دخل الريبوت الآلي (المعلم في ذلك الزمن) وكتب عنوان الدرس على شاشة العرض. لم يكن درسهم عن عمليات الضرب والقسمة ولا عن أعضاء جسم الإنسان ولا عن تاريخ العرب المعاصر، بل عن الميروتل (آلة التنقل السريع) وبداية صناعتها وأجزائها، ثم طلب من الطلاب التعليق على الموضوع من خلال أجهزة التابلت، ثم بدأ الريبوت الآلي يشرح لهم عن الفرق بين وسائل النقل الحديثة والقديمة.
إن هذه الآلة، أو الجهاز المسمى بالميروتل، لم يكن بالحجم الكبير كما في السيارة أو الطائرة بل كان بحجم كف اليد وعليه مجموعة أزرار وشاشة صغيرة. والميروتل ينقلك إلى حيث تريد في هذا العالم بسرعة البرق بل أسرع.
وفجأة فتحت نبأ عينيها واستيقظت من نومها واكتشفت أن كل هذا لم يكن سوى مجرد حلم، وبدأت تتهكم على نفسها بهذا الحلم السخيف وتردد: قال ميروتل وكواكب هه!
ما هذا الهراء؟ وصمتت ثم عادت لتقول: لم لا؟ إنها فكرة جيدة، إن مثل هذا الجهاز يمكن أن يسهل حياة الكثيرين وليس من الممكن أن يكون هذا مجرد حلم عابر، ربما كان حلماً ربانياً اصطفاني فيه الله دون سواي من البشر. سأعمل جاهدة لتحري الأمر وتحقيقه.

وجهزت نفسها ليومها الدراسي وكان يوما روتينيا كالعادة. ذهبت مشيا على الأقدام إلى مدرستها، وخلال وقت الفرصة عندما جلست مع صديقاتها وأخبرتهن عن ما رأته في منامها وما ستنوي فعله وأنها متحمسة لفكرة الميروتل التي لمعت في خيالها، وقتئذ كانت نبأ تتحدث بلهجة حماسية وتتوقع منهن ردود أفعال إيجابية. ولكن وبعد لحظات أثبتت لها زميلاتها العكس تماما؛ فقد بدأن بالاستهزاء والاستخفاف بقدراتها وعقلها الصغير واتهمنها بالجنون.
قالت لهن نبأ بنبرة غضب: لم لا؟ لو عدنا لزمن الجاهلية وأخبرناهم أنه في المستقبل يوجد جهاز تلفاز وهاتف نقال وواتس اب وفيسبوك وإنترنت أو سيارة أو كل هذه الأجهزة الحديثة المتطورة التي أنارت وسهلت عيشنا؛ هل كانوا سيصدقوننا!؟ بالطبع لا، سيسخرون منا ويتهموننا بالسحر والجنون، ولكن الحقيقة تقول إن هذا كله ليس بسحر وإنه أمر واقعي، وهكذا بالنسبة للاختراع الذي حدثتكم عنه. ولكن كان حديثها كله معهن عبثا، فقد تركها اصدقاؤها تتحدث مع نفسها وحيدة واغبروا عنها ضاحكين.
انزعجت نبأ بسبب موقف أصدقائها غير المتوقع من حديثها وبدأت تعاتب نفسها على الحديث أساسا معهم قائلة لنفسها: يا عزيزتي نبأ يا غبية، أنت تعلمين أنهم لن يقتنعوا بكلامك الخرافي هذا، فلم أتعبت نفسك بالحديث معهم؟
وإذا بهاتفها النقال يرن
-لقد وصلتني رسالة واتس آب جديدة، ممن يا ترى؟ أوه إنها صديقتي يقين، ماذا تريد.
- مرحبا نبأ، أنا يقين. أود أن أتحدث معك بخصوص اختراع الميروتل، أود القول إنني فكرت في فكرتك كثيرا ونالت هذه الفكرة إعجابي، وأنا اتطلع لموافقتك على قبولي كمساعدة لك في مشروعك هذا.
أجابتها نبأ برسالة واتس آب أخرى: لقد أسعدني كلامك يا عزيزتي، وقبول عرضك من دواعي سروري ومن الجنون رفض طلب كهذا، وشكرا جزيلا. واتفقتا في اليوم التالي على الذهاب لمكتبة المدرسة واستعارة بعض كتب الفيزياء والكتب ذات العلاقة وزيارة بعض المواقع الإلكترونية ذات الشأن، فلا يعقل صنع مثل هذه الآلة دون دراية تامة بأساسيات الأمر.

وبعد جهد ومشقة كبيرتين واستنتاج قوانين كثيرة ذات العلاقة بالموضوع قررتا البدء بتنفيذ الأفكار والمخططات من محسوسة إلى ملموسة. وبمرور الأيام ، ذهبتا إلى المدرسة وكالعادة سمعتا كلاما من زملائهما أثقل كاهلهما، ولكن يقينهما القائل بأن لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة كان نور دربهما.
وفي نفس ذلك اليوم جاء مبعوث مديرة المدرسة طالبا منهما الحضور والمثول أمام المديرة حالا.
(في غرفة المديرة)
- السلام عليكم (قالت نبأ ويقين بصوت خافت)
- وعليكم السلام ،كيف حالكما؟
- بخير آنستي.
تصمت المديرة وهي تدقق بمجموعة أوراق مكومة أمامها وتتمتم بكلمات غير مفهومة ربما إنجليزية، ثم تقول: حسنا ، لقد لاحظت مؤخرا عليكما تراجعا ملحوظا في العلامات المدرسية وأرجو منكما توضيح السبب، ألا تتابعان دراستكما في المنزل، أم أنكما مشغولتان بالفيسبوك واليوتيوب؟
يقين: نحن آسفتان على هذه الدرجات السيئة ولكنني ونبأ منشغلتان في هذه الفترة، فاعذرينا.
المديرة: وما هو هذا الشاغل الأهم من دراستكما يا عزيزتي؟!
نبأ: إنها مجرد تحقيق لأحلام تراودني في نومي، أحلام أقنعتني باختراع آلة تسهل على البشر تنقلهم وحركتهم وتخفف من حوادث السير التي نسمع بها كل يوم بسبب سوء الطرق والمواصلات.
المديرة مصغية لحديث نبأ بصمت.
تتابع يقين الحديث قائلة: إننا نقوم بصنع آلة تنقل سريع، هذه الآلة تنقلنا إلى أي مكان في العالم بسرعة البرق، ونحتاج منك أن تدعمينا في مشروعنا هذا لو تكرمتِ ونعدك برفع درجاتنا في الامتحانات القادمة.
المديرة بعد تفكير عميق: حسنا، من الواضح أنكما طموحتين يا فتيات المستقبل، وقد أعجبتني الفكرة ولا أرى أي مانع من التجربة، وسأطلب من معلمة الفيزياء مساعدتكن فهي أعلم مني بهذه الأمور طبعاً، والآن هيا يا عزيزتي اذهبن إلى الصف وانتبهن لدروسكن.
- شكرا (قالت نبأ ويقين للمديرة)
نبأ ويقين تشعران الآن بفرح يغمر قلبهما. إن سماع حديث المديرة جعلهما تطيران وتحلقان في جو السماء فرحا، وشعرتا بأنها أول خطوة في طريق النجاح.
ومع مرور الأيام، اقتنع باقي الطلاب بالفكرة وأيقنوا أن من واجبهم تقديم المساعدة، واتفقوا جميعا مع معلمة الفيزياء على تحويل حلم نبأ إلى واقع ومواصلة الليل والنهار لصنع الميروتل.
وبعد عدة أيام والعديد من المحاولات الفاشلة، أقنعوا أنفسهم باستحالة الأمر، وبأن ما يفعلوه مضيعة للوقت ومجرد أحلام لن تتحقق، وذهب الجميع للبيت عدا نبأ؛ بقيت ماثلة أمام هذا الجسم الضخم، وحيدة وحزينة تتخبط أفكارها في سماء الأحزان ولكنها أقنعت نفسها بعدم الفشل، فهي ليس من عادتها التراجع في منتصف الطريق وترجلت من مكانها وهبت فيها حميتها.
وحاولت تصليح الأمور وتشغيل الآلة ولكن للأسف لم يحدث أو يتغير شيء، حينها حقا شعرت بالوحدة والفشل، أيقنت أن ما تفعله ليس إلا مجرد أحلام فتاة طموحة، يمكن أن يكون واقعا في يوم ما ولكن ليس الآن، فهل سيأتي هذا الزمان الذي سيصبح فيه حلم نبأ واقعا تعيشه البشرية؟ هل سيأتي الزمان الذي سنتنقل به بين الكواكب خلال ثوان؟ متى وعلى يد من؟ من سيكمل ما بدأته نبأ ويخترع لنا الميروتل؟ إنها مجرد أسئلة سيتكفل الزمن بالإجابة عنها.
الكاتبة: أماني صعابنة
المحرر: عبد الرحمن عثمان
أماني محمود صعابنة طالبة رياضيات في جامعة القدس المفتوحة - جنين
2015-12-04 || 17:00