أنتِ معنا... حقيقةٌ تخفّف وجع خراب العالم
احتفالا بعيد ميلادها الثمانين، صحيفة السفير اللبنانية تخصص ملفا كاملاً للمطربة فيروز. الصحفية العكاوية رشا حلوة تكتب ست قصص ربطتها بفيروز.
القصّة الأولى
نتذكر غالبًا القصص الأولى التي ربطتنا بأغنية، بفنان ما، لكن نعرف جيداً بأن القصّة الأولى التي ربطتنا بفيروز هي صلة رحم، ليس بمعناها المجازيّ، بل بالفعل صلة الرحم المترجمة بصوت الأم وهي حامل تغنّي لجنينها أغنية لفيروز، ومن ثمّ صوت الوالد وهو يهلل لابنته في سريرها الصّغير: «يلا تنام ريما...»، ويبدّل اسم «ريما» باسم ابنته. ومن هناك، نتكوّن نحن، الذين تربطنا بفيروز علاقة قديمة، أقدم من عمرنا.. ونصبح على ما نحن عليه. على قدر ما يحملنا صوتها كآلة زمن تعيدنا إلى أماكن نشتاقها ووجوه غابت عنا، إلا أنّها قادرة أيضاً على أن تعيد اكتشافنا لذواتنا كلما سمعنا أغنية لها اعتقدنا بأنها ترسخت فينا بصورة ما لن تتغيّر.. إلا أنّ هذه الأغاني الأبديّة، هي هدية الحياة، المليئة بالقصص والقادرة دوماً على استيعاب قصص أخرى.
القصّة الثانيّة
أَحَبَّ أبي فيروز جدّاً. أحبّها أكثر مما تحبّها أمي، أمي من معسكر عبد الحليم المخلص. أذكر قصّة مرتبطة بأخي الصغير، بأنّه اخترع له تعريفات واضحة كلما سمعنا في البيت أغنية لعبد الحليم، وسألناه: «من يغنّي؟»، أجاب: «صاحب ماما»، وحين غنّت فيروز في البيت وسألناه السّؤال ذاته، أجاب: «صاحبة بابا».
القصّة الثّالثة
كان لأبي صوت جميل وحنون. وفي السهرات عادة ما كان يغنّي «اسكتش المصالحة»، وبالتحديد موال: «يا بو صالح أنا جايي لحالي...». لست بحافظة مواويل أبداً، عدا هذا الموال الذي حفظته عن أبي. وفي كل سهرات الأصدقاء والصديقات التي تفتح فيها فقرة الأغاني، أغني هذا الموال، قبل أن يرحل والدي وبعد رحيله. وكلما غنّيته اليوم، أستعيد صوت والدي من خلاله ورائحته، فيطبطب الموال على الشّوق مؤقتاً.
القصّة الرابعة
في العام 2004 كنت في زيارة إلى عمّان، في العشرين من عمري، تصادفت زيارتي مع حفلة لفيروز عندها. كنت لا أزال طالبة جامعيّة، ولم تكن معي تكلفة بطاقة الحفلة ولا أذكر لماذا قررت عندها القرار الغبيّ بأن لا أذهب إلى الحفلة. بعدما انتهت الحفلة، وصلتني مكالمة هاتفيّة من صديقة حضرتها، وطلبت منّي التوجه فوراً إلى الفندق الفلانيّ لأن فيروز ستصل إليه بعد قليل.
ركبت التاكسي وتوجهت نحو الفندق. وصلت صالة الانتظار، لم يكن أحد قد وصل بعد. جلست على الكنبة أنتظر صديقاتي وفيروز. بعد دقائق قليلة، فرغت بطارية هاتفي، ولم أعد أستطيع الاتصال بأحد. عندها، وصلت سيارة كبيرة إلى باب الفندق، أحاطها مجموعة من الحرّاس الشخصيين. بعد ثوانٍ، فتح أحدهم الباب، ونزلت سيّدة شعرها ذهبيّ غامق، تلبس سترة بنيّة غامقة، ونظارة شمس، والساعة كانت حوالي الواحدة صباحاً
تأملت كل التحركات وأنا لا زلت جالسة على الكنبة. فجأة دخلت السيدة صالة الانتظار محاطة بالحرّاس وإلى جانبها غالباً كانت ابنتها ريما. قفزت من الكرسي باتجاهها. لمحني أحدهم وأشار لي بيده أن أبتعد. هي تمشي باتجاه المصعد، وأنا أحاول بتعابير وجهي المتوسلة أن أقنع الحارس، بأن يعطيني فقط فرصة السلام عليها. ابتسم وقال لي: «يا ريت بقدر».
وصل المصعد، دخلت إليه فيروز وغابت عن نظري.
وصلت صديقاتي متأخّرات. هنّ رأيناها على المنصة تغنّي، وأنا كنت على مسافة حضن محتمل عنها. وتلك المصادفة، كانت الحفلة الأجمل.
القصّة الخامسة
نادرًا ما ترتبط عندي أغنية ما لفيروز مع قصّة حبّ عشتها. وعادة، لا أقحم قصّص الحبّ بأغانيها. كأن مساحتي معها هي مساحة ذاتيّة خاصة لا أريد مشاركتها مع أحد. كأنّ كل أغنية هي شباكك الخاص الذي ترين من خلاله العالم؛ الناس والأماكن والزمن. ومع الوقت، تتحول إلى مساحة مقدسة. وأعتقد، لهذا يسمعها معظم البشر صباحاً؛ فالصباح هو الوقت الأكثر صفاءً لرؤية تفاصيل العالم، وهو غالباً أكثر الأوقات خصوصيّة، وصوتها قادر أن يمحو ما تبقى من غبار اليوم السابق.
القصّة السّادسة
محظوظون نحن، الذين نكتب قصصنا معك في عيدك الثمانين، وستقرأينها. محظوظ من لا ينسى كل صباح بأنك معنا، وهذه حقيقة تخفّف وجع خراب العالم.
الكاتبة: رشا حلوة
*نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 21-11-2015
2015-11-21 || 15:19