روايات مغضوب عليها: الخبز الحافي – محمد شكري
بعد حوالي 11 عاماً على وفاته، ما زالت رواية "الخبز الحافي" للكاتب المغربي محمد شكري تثير جدلاً في المغرب وخارجه. الرواية هي سيرة ذاتية لشكري وصدرت بالعربية في عام 1982، وكان هناك إجماع على منعها لحظة صدورها.
ولد محمد شكري سنة 1935 في آيت شيكر في إقليم الناظور شمال المغرب لأسرة فقيرة عانت من ظروف صعبة مآساوية، الأمر الذي أثر على حياته كلها، خاصة بعد هربه إلى طنجة بعد طفولته المعذبة على يد والده، الذي قتل فعلاً ابناً له في لحظة غضب. ولم يكن يتكلم بعد العربية، لأن لغته الأم كانت الأمازيغية، كما أنه لم يتعلم الكتابة سوى في سن العشرين.
هذه الحياة القاسية كانت دافعه لكتابة سيرته الذاتية في ثلاثة أجزاء أولها الخبز الحافي، بعد إلحاح من صديقه الكاتب الأمريكي بول بولز، الذي اتفق معه على نشرها، ولم تنشر بالعربية حتى سنة 1982، بل ترجمت إلى الفرنسية على يد الطاهر بن جلون ونشرت في فرنسا أولاً.
بعدها بعشر سنوات، نشرها شكري بالعربية لتلقى هجوماً ضخماً مستمراً إلى اليوم رغم وفاة صاحبها، وهو أمر متوقع بسبب جرأتها غير العادية، وطريقة وصف العوالم المهمشة للفقراء في المغرب بشكل صادم، اختلط فيه الجنس بالمخدرات بالجريمة. الكاتب سرد حياته بشكل صادق ومفضوح، وأكملها فيما بعد في جزأين آخرين هما: زمن الأخطاء، ووجوه.
[caption id="attachment_60920" align="aligncenter" width="940"]

محمد شكري في حانة فندق ريتز بطنجة، حيث اعتاد الجلوس مع أصدقائه ومنهم الكاتب الأميركي بول بولز[/caption]
على الرغم من صعوبة وحدة الوصف في هذه الرواية، التي قد تصل بك للشعور بالغثيان والتقزز، إلا أنها صادقة تماماً ودون مبالغات، الأمر الذي يقودنا لمعرفة أن الواقع دائماً ما يكون أصعب وأقسى من الخيال.
يمكننا وصف شكري بالأديب الواقعي الوثائقي، ربما يمكننا كرهه والنفور منه، ربما أيضاً يمكننا التشكيك في بعض قصصه ومن بينها حقيقة أنه بدأ تعلم القراءة والكتابة في العشرين، في حين يؤكد العديد من مثقفي المغرب أنه تعلمها في سن العاشرة أو الحادية عشرة، وأنه كذب بشأن ذلك ليمنح نفسه هالة من المبالغة والدهشة.
كما أنه زاد من جرعة الجرأة والمباشرة ليحوز إعجاب الأوروبيين عند طبع الرواية بالفرنسية عن دار ماسبيرو، والتي تصدرت وقتها قائمة الأكثر مبيعاً.
لكن هذا لا يمنع التعاطف مع شكري ومع ظروف حياة لم يملك من أمره فيها شيئاً. عقد دفينة بدأت مع قسوة والده وكراهيته له، وانتهت بعالم مظلم عاشه بين تجار المخدرات والبغايا. مشكلته هنا هو كفاحه للخروج من هذا المستنقع، إصراره على تعلم القراءة والكتابة فتحا له عالماً جديداً مختلفاً كل الاختلاف عما يعهده، فبقى معلقاً بين العالمين، ومن هنا جاء الإبداع.
المشكلة هنا أن شكري يعري الحقيقة تماماً، ويكشف هذه الشرنقة الإنسانية المزيفة التي ننسجها حولنا في كل مكان لنتمكن من العيش والنظر في أعين بعضنا البعض، صدمة الرواية في رأيي لم تأت من ألفاظها الخادشة أو أحداثها الجريئة، بل أتت من حقيقيتها، من صدقها وواقعيتها.
وهذا الأمر يثير غضب مدعي الفضيلة دوماً، وينكزهم للهجوم من أجل الهجوم، دون النظر إلى أن هذه هي الحقيقة ولا شيء سواها، وهو هنا يذكرني ويذكر الكثيرين بالكاتب الأمريكي هنري ميللر، الذي تعرض لنفس الهجوم بسبب رواياته الجريئة الواقعية. أيضاً تشابه طفولته وحياته في قاع نيويورك مع طفولة شكري وحياته في قاع طنجة في الأربعينات.
الكاتبة: نورا ناجي - موقع أراجيك
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2016-01-01 || 17:44