دعوة محمود عباس للانتخابات: استجداء الشرعية الخارجية!
أثار إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس إجراء الانتخابات التشريعية تساؤلات حول دوافع الخطوة ومدى جدية تنفيذها بعد غياب انتخابي استمر نحو عقدين.
بينما تمثل الانتخابات العامة استحقاقاً فلسطينياً غُيّب لنحو عقدين، يثير مرسوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإجراء الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، تساؤلات بشأن دوافع صدوره الآن وجدية إجرائها هذه المرة.
أكثر من دافع!
وقال قيادي فلسطيني مقرب من عباس لـِ "المدن"، إن الدافع الأبرز لصدور المرسوم، هو اعتبار قيادة السلطة إجراء الانتخابات التشريعية الآن، "أهم من أي وقت مضى"؛ بوصفها "مطلباً وطنياً ملحاً في وقت حساس، لتأكيد وحدة النظام السياسي الفلسطيني وولايته في الضفة وغزة، ومواجهة محاولات فصل القطاع وإنشاء تكتلات جديدة موازية لمنظمة التحرير".
ويُفهم من هذا المبرر أن الدعوة لانتخابات تشريعية، مرتبطة بمخاوف المنظومة السياسية في رام الله، على استقرارها وتمثيلها، ما يعني رغبتها بأن تكون الانتخابات وسيلة لتذليل مخاوفها بشأن البقاء والشرعية، مروراً بمواجهة أي ما تسميها "أجساماً موازية أو بديلة" لقيادة السلطة والمنظمة بعد حرب الإبادة على القطاع، مروراً بالفجوة بين الشارع الفلسطيني والسلطة وسط متغيرات إقليمية.
كما تحدث القيادي بالسلطة عن دافع آخر لدعوة الانتخابات، باعتبارها استكمالاً لترتيبات مرحلة ما بعد عباس، كخطوة تالية لانتخابات "فتح"، على أن تُستكمل انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. ورفض القيادي الفلسطيني اعتبار الضغط الأوروبي سبباً لدعوة الانتخابات، مدعياً أن الانتخابات العامة "هي آخر هم أميركا وأوروبا" في هذه المرحلة.
وبشأن ضمانات إجراء الانتخابات وعدم إلغائها من عباس كما جرى عام 2021 بحجة رفض الاحتلال تنظيمها في القدس، تحاشى هذا القيادي تقديم إجابة حاسمة، مكتفياً بالقول: "لن نستبق الأمور، سنرتب الأمور اللازمة، ولجنة الانتخابات المركزية ستنفذ استعداداتها الإجرائية والقانونية واللوجستية للانتخابات". ودعا القيادي الفلسطيني أوروبا المُطالِبة بـِ "إصلاحات السلطة"، إلى إجبار إسرائيل على السماح بوضع صناديق انتخابات في القدس.
حوار مرتقب مع "حماس"؟
وعن جدوى الانتخابات بلا مشاركة الجميع، كشف المصدر القيادي عن أن قيادة السلطة والمنظمة ستطلق حواراً مع حركة "حماس" خلال الأسابيع المقبلة، بهدف التوصل إلى توافقات وترتيبات بين "فتح" و"حماس" بخصوص الانتخابات العامة، على غرار اتفاق الحركتين على إجراء انتخابات 2021، قبل أن يقوم عباس بإلغائها بحجة القدس. وقال المصدر إن هناك 14 فصيلاً فلسطينياً، "فلماذا لا تكون هناك أيضاً قائمتان مستقلتان"، معتبراً أن نظام التمثيل النسبي الكامل التي ستجري الانتخابات بموجبه، يضمن "تعددية سياسية" وعدم سيطرة أي حزب على المجلس التشريعي.
لماذا الخشية من تزامنية الانتخابات؟
لكن مرسوم عباس لم يستجِب لدعوات سياسية ومدنية لتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة، وحدد موعد التشريعية فقط، واكتفى بالتنويه لإجراء الرئاسية في الربع الأول من العام المقبل. وأجاب القيادي المقرب من عباس، على سؤال "المدن" بشأن أسباب إهمال دعوات "التزامنية"، بالتذرع بـ"صعوبة" تنظيمها في وقت واحد؛ لأسباب قانونية وإجرائية، فبمنظوره، للتشريعية إجراءاتها وقانونها الخاص وطريقة فرزها، وكذلك الحال بالنسبة للرئاسية، مشيراً إلى أن لجنة الانتخابات تستعد قانونياً لكل انتخابات لوحدها، مضيفاً أنه "لم تُجرَ" انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة منذ نشوء السلطة الفلسطينية، سواء في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات أو بعد وفاته.
لكن المطالبين بالتزامن يضحدون كلام هذا القيادي بالسلطة، حيث أكد الخبير بشؤون الانتخابات عارف جفال لـِ "المدن"، أن انتخابات 1996 جرت فيها الرئاسية والتشريعية بالتزامن في يوم واحد، وأما عدم تزامنيتها بعد وفاة الراحل عرفات، فيعود للحالة الخاصة حينها، مبيناً أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية موجودة بقانون واحد لسنة 2007 وتعديلاته، ولا وجود لمانع إجرائي وقانوني لتنظيمها بالتزامن، عدا عن ضرورة عدم فصلهما هذه المرة، وفق جفال. وتبرر أطياف سياسية ومدنية إصرارها على التزامنية؛ منعا لأي مناورة من عباس أو انقلاب على نتائج "التشريعي" حينما لا تُعجبه، مع حرصه ليكون "ضابط الإيقاع" بالمشهد السياسي.
البحث عن شرعية خارجية.. كدافع!
في المقابل، رأى عضو المجلس الوطني الفلسطيني سمير عويس في حديثه لـِ "المدن"، أن الخشية من خسارة الشرعية الإقليمية والدولية، هي الدافع "الحقيقي" لدعوة عباس إلى انتخابات عامة، ذلكَ بسبب رهن الولايات المتحدة أي مكاسب للسلطة، بـِ "إصلاحات واسعة".
وعلى الرغم من تركز الحديث بالأسابيع الماضية عن انتخابات المجلس الوطني في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، إلا أن مرسوم عباس حدد التشريعي فقط، فيما برر عويس ذلك، بإدراك القيادة الفلسطينية في رام الله، بأن هناك حاجة لترتيبات كبيرة لانتخاب أعضاء المجلس الوطني الممثلين لفلسطينيي الشتات (الخارج)، وهذا ما دفعها إلى تأجيل انتخابات المجلس الوطني، كاشفاً عن اجتماعات و"كولسات" تجريها أقطاب السلطة والمنظمة خارج الأراضي الفلسطينية؛ لمحاولة "هندسة" أعضاء الخارج للمجلس الوطني، وسط خلافات بشأن عددهم وأسمائهم، وفق عويس.
قراءة تقنية
وبتفصيل للإجراءات، تجري الانتخابات التشريعية وفق نظام التمثيل النسبي الكامل على أساس القائمة الموحدة، وبنسبة حسم 1 في المئة، بما ينتجُ انتخاب 200 عضو مجلس تشريعي، سيكونون أيضاً أعضاء "طبيعيين" بالمجلس الوطني، كممثلين للداخل الفلسطيني، على أن يُنتخب أعضاء المجلس الوطني عن الخارج لاحقا. وبذلك، تبدو انتخابات المجلس التشريعي كأنها "نصف انتخابات للمجلس الوطني"، مع التنويه بأن قيادة المنظمة دمجت انتخابات المجلس الوطني بقانون الانتخابات العامة لسنة 2007 وتعديلاته. ورجح الخبير بالانتخابات عارف جفال، سيناريو ترشح 50 قائمة انتخابية بعد "مراعاتها" شروط الترشح، منها الاعتراف ببرنامج منظمة "التحرير"، على أن تفوز 20 قائمة، وهو سيناريو يرى جفال أن حصوله يتيح "تعددية سياسية ملحة"، لكنه بدا حذراً أيضاً، بقوله إن جدية الانتخابات تنفيذاً ونتيجةً، قيد الاختبار.
الكاتب: أدهم مناصرة/ المدن
2026-07-11 || 08:03