من ذروة الـ 5600 إلى 4300.. ماذا يحدث في سوق الذهب؟
رغم التراجعات الحادة التي ضربت الذهب والفضة خلال الأشهر الأخيرة، لا تزال المؤسسات المالية الكبرى تتوقع تعافي الأسعار وعودتها إلى مستويات أعلى بنهاية العام.
في خِضَمِّ عاصفة التقلّبات الحادة التي تجتاح الأسواق العالمية، تواصلت خسائر الذهب للشهر الرابع على التوالي، إذ تراجعت الأونصة من ذروتها التاريخية البالغة نحو 5600 دولار في مطلع العام لتستقرّ قرب مستوى 4300 دولار، محقّقةً انخفاضاً يُعادل قرابة ربع قيمتها.
لا يعكس هذا الانزلاق الحادّ ضغوطاً تقنية وتصفيةً للمراكز وحسب، بل يرسم ملامح معادلة اقتصادية بالغة التعقيد تتشابك فيها مخاوف رفع أسعار الفائدة، وانتعاش الدولار، وتباطؤ مشتريات البنوك المركزية، وقيود هندية على الاستيراد. غير أن هذه الصورة القاتمة لا تحجب الرهان القوي للمؤسسات المالية الكبرى على عودة المعدن الأصفر فوق مستوى 5400 دولار بحلول نهاية العام، وهو رهان تتبنّاه مصارف عملاقة في مقدّمتها يو بي إس وغولدمان ساكس وجي بي مورغان. فمن يربح في هذه المعادلة المتشابكة، ومن يتكبّد الخسارة؟
قراءة في اضطراب السوق
يرى نور الدين محمد، رئيس شركة تارجت للاستثمار، أن المشهد الراهن لسوق الذهب يتّسم بخصوصية نادرة تجعل أدوات التحليل الفني التقليدية عاجزةً عن رصد حركته بدقة. فحين بدأ المعدن الأصفر يتعافى بنسبة تتراوح بين اثنين وثلاثة بالمئة في جلسة يوم الجمعة الفائت، ظانّاً المراقبون أن موجة التهدئة الجيوسياسية ستُرسي استقراراً نسبياً في الأسواق، جاء صباح اليوم التالي بضربة عسكرية جديدة شملت الكويت والإمارات، وشنّت فيها إسرائيل هجوماً على إيران، فتراجعت الأسعار فوراً. تكشف هذه الحساسية الانعكاسية للأحداث الجيوسياسية أن السوق بات يعمل خارج منطق الرسوم البيانية المعتادة، مما يجعل التحليل الفني التقليدي غير مجدٍ وحده في هذه المرحلة.
التضخم والدولار: العدو المزدوج للذهب
يُميّز محمد بين نوعين من التضخم يضغطان على المعدن الأصفر في المرحلة الراهنة: الأول ناجم عن التعريفات الجمركية التي فُرضت مع مطلع حقبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو ما تعكسه الأسواق اليوم بوضوح؛ إذ اجتازت عائدات سندات الخزانة الأميركية ذات الثلاثين عاماً حاجز الخمسة بالمئة، فيما تخطّت سندات العشر سنوات نسبة 4.5%.
أما الثاني فهو تضخم أسعار الطاقة الذي لم تتجلَّ مفاعيله بعد في بيانات السوق، ومن المرتقب أن يُضيف ضغطاً إضافياً في المرحلة المقبلة، لا سيما في ظل مخاوف إغلاق مضيق هرمز وانعكاسه على سلاسل الإمداد العالمية. وكلّما ارتفع التضخم ارتفع معه سعر الفائدة، وتعزّزت جاذبية الدولار بوصفه المنافس التقليدي للذهب الذي لا يُدرّ عائداً إيجابياً، مما يرفع تكلفة حيازته ويُنفّر منه المستثمرين في الأمد القصير.
البنوك المركزية: من البائع إلى المشتري المرتقب
يُقدّم محمد تفسيراً عميقاً لظاهرة بيع الذهب التي تمارسها بعض البنوك المركزية، ولا سيما البنك المركزي الروسي والبنك المركزي التركي، مؤكداً أن هذه المؤسسات اقتنت الذهب أصلاً بوصفه أداةً لدعم عملاتها في أوقات الأزمات. وحين اندلعت الحرب وبلغت الضغوط التضخمية ذروتها، باشرت هذه البنوك توظيف احتياطياتها لأداء وظيفتها الأصلية؛ سواء بالبيع المباشر لنحو 900 ألف أونصة في الحالة الروسية، أو بعمليات المقايضة على نحو مليونين ومئتي ألف أونصة في الحالة التركية. وتزامن ذلك مع فرض الهند قيوداً جديدة على استيراد الذهب حمايةً للروبية الهندية.
بيد أن المحلل يستشرف معادلةً معاكسة في الأفق: فمع بلوغ الاحتياطيات الذهبية لدى البنوك المركزية مستويات حرجة، ستجد هذه المؤسسات نفسها مضطرّةً إلى العودة إلى الشراء بصرف النظر عن مآل الصراعات المسلحة؛ إذ يدفعها كلا الاتجاهين —سواء انتهى النزاع أو تواصل— إلى تجديد احتياطياتها للحفاظ على الأمان النقدي. ويُضاف إلى ذلك أن الصين، أكبر منتجي الذهب في العالم، واصلت شراء المعدن دون انقطاع على مدار تسعة عشر شهراً متتالياً، حتى في ظل الأسعار المرتفعة الحالية، مما يُعزّز الأرضية الداعمة للذهب على المدى المتوسط.
خريطة الثروة الذهبية العالمية
تتربّع الولايات المتحدة الأمريكية على عرش أكبر الدول امتلاكاً للذهب في العالم، باحتياطيات تبلغ نحو 8133 طناً تُقدَّر قيمتها بنحو 1.13 تريليون دولار بأسعار اليوم. وتأتي ألمانيا في المرتبة الثانية بنحو 3350 طناً تعادل قيمتها 466 مليار دولار، يليها صندوق النقد الدولي بنحو 2814 طناً بقيمة 392 مليار دولار. وتحتلّ إيطاليا المركز الرابع بنحو 2451 طناً تعادل 341 مليار دولار، في حين تمتلك فرنسا نحو 2437 طناً. أما الصين التي تواصل تكديس احتياطياتها عبر مشتريات متواصلة، فقد بلغت احتياطياتها نحو 2313 طناً، مما يُرسّخ مكانتها لاعباً استراتيجياً محورياً في سوق الذهب العالمي.
ثلاثة محاور تُعيد رسم الطلب على الذهب
يُصنّف محمد المشترين في سوق الذهب إلى ثلاث فئات رئيسية: البنوك المركزية، وصناديق المؤشرات المتداولة (ETF)، والمستثمرون الأفراد. وفيما يخصّ الفئة الأولى، فقد سبق بيان حتمية عودتها إلى الشراء. أما صناديق المؤشرات المتداولة، فستجد في مستويات الذهب دون 4000 دولار فرصةً استثمارية تفوق ما تُتيحه الأسهم أو السندات الأمريكية؛ إذ يُعني الصعود من أربعة آلاف إلى خمسة آلاف دولار عائداً يبلغ 25%، وهو معدل نادراً ما يتحقق في أدوات الدخل الثابت أو المؤشرات العامة إلا عبر مراكز مفردة تنطوي على مخاطر مرتفعة.
وبالنسبة للمستثمرين الأفراد، فإن الهند تُمثّل أكبر قاعدة شرائية على مستوى الأفراد في العالم، غير أن القيود الحكومية الهندية الأخيرة قلّصت مشترياتهم بهدف حماية الروبية. وحين ترتفع هذه القيود، سيعود المشتري الهندي بكامل ثقله إلى السوق. ومع عودة هذه الفئات الثلاث مجتمعةً، يرى المحلل أن دعائم الذهب على المدى المتوسط باتت راسخة ومتينة.
الذهب وإخفاق التحوط: مفارقة يُفسّرها السياق
يتناول محمد مفارقةً لافتة تستوقف كثيراً من المحللين: لماذا لا يُؤدّي الذهب دوره المعهود ملاذاً آمناً في مواجهة التضخم والمخاطر الجيوسياسية في هذه المرحلة؟ يردّ المحلل بأن الذهب صعد أصلاً من مستوى 2800 دولار إلى 5600 دولار، أي بنسبة تقترب من مئة بالمئة منذ مطلع عهد الرئيس ترامب، استباقاً للمخاطر التي باتت اليوم حقيقةً ملموسة. فحين وقعت الأزمات التي تحوّطت منها البنوك المركزية بامتلاك الذهب، باتت هذه المؤسسات تُسيّل احتياطياتها لأداء وظيفتها الفعلية في دعم العملات، لا لمزيد من التكديس.
وإذا هدأت التوترات في إيران أو تحوّلت إلى مخاطر جيوسياسية أقلّ تأثيراً على التضخم، كالأزمات المحتملة في بنما أو غرينلاند، فسيُعاود الذهب أداء دوره في التحوط ضد الغموض الجيوسياسي دون أن يُلقي بعبء تضخمي إضافي على الاقتصادات، مما يُهيّئ بيئة أكثر ملاءمةً لارتفاعه. ويُضيف المحلل عاملاً هيكلياً بالغ الأهمية يتمثّل في تآكل الثقة بالدولار الأمريكي في ضوء تصاعد الدين العام الأمريكي من 36 تريليون دولار إلى 39 تريليون دولار، مع تراجع مكانة اليورو والين الياباني أيضاً، مما يجعل الذهب الوجهة الافتراضية الأولى لحفظ الثروة على المستوى العالمي.
العودة إلى 5600 دولار: سيناريو ممكن لا وهمٌ مستحيل
يتقاطع محمد مع تقديرات كبريات المصارف الاستثمارية —يو بي إس وغولدمان ساكس وجي بي مورغان— في الإقرار بأن الأسعار ستظل رهينة الضغط على المدى القصير، غير أن المشهد سيتبدّل جذرياً بحلول نهاية العام الجاري. ويُحدّد المحلل القيمة العادلة للأونصة بنحو 5000 دولار وفق المعطيات الاقتصادية الراهنة، مؤكداً أن العودة إلى مستوى 5600 دولار الذي سُجّل سابقاً ليست سيناريو مستبعداً، بل هي التفسير الاقتصادي المنطقي لمسار المعدن حين تتكامل العوامل الداعمة المذكورة وتتضافر.
4200 دولار: المنطقة الذهبية للدخول
على الصعيد العملي الاستثماري، يرى محمد أن مستوى 4200 دولار للأونصة هو الأنسب للشراء، لا بوصفه توصيةً استثمارية، بل كتحليل للسوق يُرجّح صعوبة كسر هذا المستوى خلال المرحلة المقبلة. ويُحذّر المحلل من أن العودة دون عتبة 4000 دولار باتت في تقديره أمراً مستبعداً، مستنداً إلى جملة من المؤيّدات: فالتقلبات المتواصلة والمشهد الجيوسياسي المتوتر ومبيعات البنوك المركزية الروسية والتركية توفّر مجتمعةً أرضيةً صلبة تحول دون الانزلاق الحادّ.
ويقترح المحلل استراتيجية توزيع المحفظة على أربع شرائح: الأولى لا تتجاوز عشرين بالمئة من المحفظة تُشترى عند المستوى الحالي البالغ نحو 4300 دولار. والثانية بنسبة أربعين بالمئة عند الوصول إلى مستوى 4200 دولار. والثالثة بنسبة عشرين بالمئة في حال انزلقت الأسعار إلى مستوى 4000 دولار. فيما تُحتفظ بالشريحة الرابعة نقداً لمواجهة أي اضطرابات غير متوقعة أو استغلال أي انخفاض حادّ في السوق. وتُعبّر هذه الاستراتيجية القائمة على التدرّج عن قناعة راسخة بأن المستويات الحالية تُمثّل فرصةً استثمارية استراتيجية بالمعنى الدقيق للكلمة.
الفضة: معدن الصناعة يتخبّط في شَرَك الأرقام
لا يُهمل محمد ملف الفضة في قراءته للمشهد المعدني العالمي، إذ تراجعت أونصتها بنحو 44 بالمئة من ذروة 121 دولاراً في يناير الماضي إلى نحو 68 دولاراً حالياً. ويُفرّق المحلل بوضوح بين الطبيعتين الاستثماريتين للمعدنين: فبينما يُوظَّف الذهب بنسبة تتراوح بين تسعين وخمسة وتسعين بالمئة في أغراض التحوط والاستثمار، يذهب أكثر من سبعين بالمئة من الفضة إلى القطاع الصناعي، مما يجعلها أشدّ ارتباطاً بمؤشرات النشاط الاقتصادي العالمي، ولا سيما مؤشرات التصنيع الصينية، باعتبار الصين أكبر مستهلك للفضة في العالم. ويعني ذلك أن أي تباطؤ في النشاط الاقتصادي العالمي يُفضي حتماً إلى تراجع الطلب على الفضة.
ويُشير محمد إلى اختلال هيكلي عميق في سوق الفضة يُضاعف حدة تحرّكاتها صعوداً وهبوطاً: إذ إن الفضة المادية المتوفرة فعلياً لا تكفي لتغطية ربع حجم العقود الآجلة والعقود المستقبلية المتداولة عليها، مما يُجبر البنوك وبيوت الاستثمار على تغطية مراكزها المكشوفة حين يرتفع السعر، فتتضاعف حدة الحركة لتبلغ بين عشرين وخمسة وعشرين بالمئة. وينعكس الوضع حين تسوء المؤشرات الصناعية، فتزيد تلك المؤسسات من مبيعاتها في الأسواق الآجلة لتحقيق متوسطات أعلى، مما يُعمّق الهبوط. وفي حين خفّضت مؤسسة يو بي إس توقعاتها لسعر الفضة من 85 إلى 80 دولاراً للعام الجاري ثم إلى 75 دولاراً للعام المقبل بسبب تراجع الطلب من قطاعات الطاقة والمجوهرات وانخفاض حيازات صناديق المؤشرات، يظلّ بلاك روك وجي بي مورغان أكثر تفاؤلاً بتوقّع عودة السعر إلى 80 دولاراً خلال العام الجاري، مع احتمال محدود للوصول إلى مئة دولار قبل عام 2030.
المصدر: سكاي نيوز عربية
2026-06-10 || 08:00