الأغوار اليوم.. حصيلة ستة عقود من المخططات الاستيطانية
على مدار الأعوام الثلاثة الأخيرة، شهدت منطقة الأغوار تحولات دراماتيكية ومتسارعة، وصفها محللون بأنها الأخطر في تاريخ المنطقة منذ عام 1967، حيث يقود المستوطنون عمليات تهجير بدعم كامل من الحكومة الإسرائيلية والجيش، أسفرت عن تهجير 70 تجمعاً سكنياً في الضفة الغربية.
خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، شهدت منطقة الأغوار تحولات دراماتيكية ومتسارعة وصفها محللون بأنها الأخطر في تاريخ المنطقة منذ احتلالها عام 1967، حيث انتقلت سلطات الاحتلال إلى مراحل متقدمة فيما يتعلق بتنفيذ المشاريع الاستعمارية الكبرى المتعلقة بالأغوار، والتي رُسِمَت على مدار ستة عقود، حتى أصبحت واقعا ملموسا.
هذا الواقع يُترجَم على الأرض اليوم بعمليات التهجير القسري الأوسع في تاريخ المنطقة منذ احتلالها، حيث يقود المستعمرون عمليات التهجير هذه بدعم كامل من حكومة وجيش الاحتلال، لخلق واقع ديمغرافي مُختَل قائم على محاربة الوجود الفلسطيني وتعزيز الاستعمار في المنطقة لتغيير بنيتها السكانية، وسجلت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تهجير 70 تجمعا سكانيا من الضفة الغربية إما بشكل كامل أو جزئي تزامنا مع بداية حرب الإبادة على قطاع غزة وحتى الآن، معظمها تم تهجيرها من مناطق الأغوار والسفوح الشرقية.
وتترافق عمليات التهجير القسري مع تغييرات مرئية ملحوظة، تتمثل بهدم بقايا وآثار التجمعات التي يتم تهجيرها، ووضع لافتات عبرية وأعلام الاحتلال مكانها، فالداخل إلى الأغوار من حاجز تياسير العسكري يلحظ حجم التحولات الخطيرة على طول الطريق من الحاجز وصولا إلى مفترق عين الحلوة، بعد تهجير أربعة تجمعات كانت تسكن المنطقة، هي: أم الجمال، وحمامات المالح، والبرج، والميتة.
هذه المنطقة التي كانت تعج بالحياة فيما مضى غدت اليوم خالية من أهلها الذين حلت البؤر الاستعمارية والأسيجة واللافتات العبرية مكان تجمعاتهم، والمشهد ذاته بات يتكرر في مناطق أخرى على طول امتداد الأغوار.
وتتزامن عمليات التهجير القسري المتتابعة لتجمعات الأغوار مع استمرار سلطات الاحتلال بإحكام سيطرتها على المنطقة، عبر الاستيلاء على مزيد من الأراضي بذرائع متعددة، فضلا عن شروعها ببناء جدار على الحدود مع الأردن قبل أشهر، وإعلانها عن مخططات جديدة ومنها مشروع "الخيط القرمزي" الذي تم الإعلان عنه أواخر العام الماضي (2025) والشروع بتنفيذه مطلع العام الحالي لشق طريق عسكرية وإقامة جدار فاصل بطول 22 كيلو مترا على أراضي المواطنين بمحافظة طوباس، الذي سيؤدي إلى فصل منطقة الأغوار عن المحافظة.
وفي هذا السياق، أكد الأمين العام للحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبارتهايد، رمزي عودة، أن المرحلة الحالية هي المرحلة الأخطر بتنفيذ مخططات الاحتلال في مناطق الأغوار، باعتبارها المرحلة التي تستهدف تصفية كافة التجمعات السكانية في المنطقة، وسيطرة الاحتلال الكاملة عليها.
مخططات قديمة:
ونوه عودة، في حديثه لـ"وفا"، إلى أن الاحتلال على مدار عقود، سن العديد من القوانين والتشريعات التي تهدف إلى حصر وتقليص الوجود الفلسطيني في الأغوار، وخلق بيئة طاردة للمواطنين عبر منعهم من البناء والتوسع في التجمعات، والاستيلاء على الأراضي الزراعية والرعوية، ومعظم مصادر المياه.
ويشير مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم) في تقرير سابق له تحت عنوان (مجريات السلب) إلى أن "إسرائيل تمنع الفلسطينيين من استخدام نحو 85% من مساحة الأغوار وشمال البحر الميت وتستغل هذه المساحة لاحتياجاتها هي. إنّها تمنعهم من المكوث في تلك الأراضي والبناء فيها ورعي أغنامهم وفلاحة أراضيهم الزراعية...".
ويوضح "بتسيلم" أن إسرائيل أعلنت منذ عام 1967، وبعد أشهر قليلة من بدء الاحتلال، جميع الأراضي التي كانت مسجّلة أراضي دولة في العهد الأردني (وتشكّل نسبة 53% من مجمل مساحة منطقة الأغوار وشمال البحر الميت) كـ"مساحات مغلقة"، إضافة إلى هذا التصنيف أعلن جيش الاحتلال في نهاية الستينيّات وبداية السبعينيّات 45.7% من أراضي الغور كـ"مناطق إطلاق نار" ومنع الفلسطينيين من دخولها أو المكوث فيها.
كذلك، أعلنت إسرائيل نحو 20% من أراضي الغور كـ"محميّات طبيعيّة" و"حدائق وطنيّة" وخصّصت أراضي أخرى للمستعمرات التي أقيمت في الأغوار بعد الاحتلال بوقت قصير (بعض هذه الأراضي يقع تحت أكثر من تصنيف واحد من التصنيفات أعلاه)"، وفق "بتسليم".
وتعقيبا على ذلك، قال عودة إن قوانين الاحتلال واجراءاته منذ عقود أدت دورا خطيرا في حصر وتقييد الوجود الفلسطيني في الأغوار، ويجري العمل على استكمال هذه الإجراءات خلال السنوات الأخيرة عن طريق المستعمرين، حيث أوكل الاحتلال لهم مهمات خطيرة أسهمت في إحداث فروق جوهرية في مجال التهجير القسري للتجمعات السكانية.
وأضاف: "رغم أن الاحتلال كان يرسم مشاريع وأحلام استيطانية كبرى لمناطق الأغوار منذ عقود ويعمل على تنفيذها بشتى الطرق، ابتداءً من مشروع "ألون" أواخر الستينيات وصولا إلى مشروع الضم، إلا أن الأعوام الثلاثة الأخيرة تزامنا مع حرب الإبادة على قطاع غزة تعد الفترة الأخطر عبر تصعيد عمليات التهجير القسري التي ينفذها المستعمرون".
وأوضح أن الاحتلال يتعامل مع التجمعات البدوية والسكانية في الأغوار باعتبارها عائقا أمام مخططاته المرسومة للمنطقة، فبدأ بتسريع عمليات التهجير القسري للتجمعات الرعوية والبدوية، لإحداث تغييرات سريعة وجوهرية للواقع الديمغرافي للمنطقة عبر تهجير سكانها والقضاء على تجمعاتها، وفي المقابل تعزيز الوجود الاستعماري فيها وجعل الغلبة فيها للمستعمرين.
كما أن الاحتلال يسعى لخلق ديمغرافيا يكون الغلبة فيها له بحيث يصبح حل الدولتين مستحيلا، فهو يهدف إلى ضم الأرض دون المواطن سعيا لفكرة يهودية الدولة، والتي يهدفون من خلالها لدولة يهودية تضم تجمعات عربية صغيرة مغلقة على غرار نظام الفصل العنصري، وفقا لعودة.
وبحسب تقرير مستجدات الحالة الإنسانية في الضفة الغربية الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بتاريخ 19 آذار/ مارس 2026، "فإنه بين شهر كانون الثاني/يناير 2023 ويوم 16 آذار/مارس 2026، هُجرت 1,028 أسرة فلسطينية تضم أكثر من 5,500 فرد من 107 تجمعات سكانية ومناطق سكنية، كانت غالبيتها من التجمعات البدوية والرعوية".
وأضاف التقرير أنه "في منطقة غور الأردن التي تضم أجزاء من محافظات طوباس ونابلس وأريحا ورام الله والبيرة، سجلت مستويات التهجير ارتفاعًا مطّردًا على مدى السنوات الثلاث الماضية بسبب الهجمات التي يشنها المستعمرون على الأسر ومواشيها وممتلكاتها، ناهيك عن القيود المفروضة على الوصول إلى أراضي الرعي. وقد هُجر 1,993 شخصًا في هذه المنطقة، وهو ما يشكل 36% من مجموع المهجرين في هذا السياق".
وعن استهداف الأغوار بهذه المخططات، بين عودة أن الاحتلال يتعامل مع المنطقة على أنها ذات أهمية استراتيجية أمنية، وبناء على ذلك ينظر للأغوار بتشدد ويعمل على تغيير طابعها لتصبح إسرائيلية الطابع لتمثل العمق الاستراتيجي لدولة الاحتلال، وبالتالي يسعى لإحكام السيطرة عليها عبر بناء المعسكرات والمستعمرات والجدران، فبالتوازي مع تهجير المواطنين وتعزيز الاستعمار على الأرض، تعمل سلطات الاحتلال على فرض حدود اصطناعية على أراضيها، من خلال بناء جدار على الحدود مع الأردن.
تضاعف الأنشطة الاستعمارية:
بدوره، قدّر الباحث الميداني في مركز أبحاث الأراضي، رائد موقدي، أن حجم الممارسات الاستعمارية والاستيلاء على الأراضي في الأغوار تضاعف خلال السنوات الثلاث الأخيرة بنسبة 500%.
ونوه موقدي إلى أن تسارع التغييرات على الأرض في مناطق الأغوار يشمل تكثيف إقامة البؤر الاستعمارية الرعوية، فتزامنا مع حرب الإبادة على قطاع غزة أقيمت 22 بؤرة استعمارية جديدة على طول مناطق الأغوار وحدها وفقا لما وثقه مركز أبحاث الأراضي، مشيرا إلى أن المستعمرين من هذه البؤر أدوا الدور الأكبر في تهجير التجمعات الرعوية والبدوية قسريا، كما شرعوا بالتوسع بشكل ملحوظ للاستيلاء على الأراضي المحيطة بشكل كامل.
إضافة إلى ذلك، تسارعت الممارسات الاستعمارية على الأرض، وسيطر المستعمرون على ما تبقى من مصادر مياه وأراضي رعوية يستخدمها الأهالي، فضلا عن شق الطرق الاستعمارية لتوسعة وربط المستعمرات القائمة ببعضها البعض.
وأكد موقدي أن المرحلة الحالية من أخطر مراحل مخططات ومشاريع الاحتلال في الأغوار، فالاحتلال يعمل حاليا على مرحلة تفريغ الأغوار من المواطنين الفلسطينيين تمهيدا للمرحلة القادمة وهي توسيع وتعزيز الاستعمار لجعل المنطقة ذات طابع إسرائيلي.
وتطرق إلى العديد من الشواهد الخطيرة الملحوظة مؤخرا في مناطق الأغوار، وهي السعي لتهويد المنطقة بشكل كامل وتغيير بنيتها ومعالمها بصريا، فمن جهة هناك عمليات التهجير القسري المتسارعة التي يقودها المستعمرون بدعم كامل من حكومة الاحتلال، وما يترافق مع ذلك من تعزيز الاستعمار في المنطقة بما يعمل على خلخلة التوازن الديمغرافي للمنطقة، ومن جهة أخرى هناك تغيير لوجه وطابع المنطقة بصريا من خلال رفع أعلام دولة الاحتلال في مناطق واسعة من الأغوار وخاصة في المناطق التي يتم تهجير المواطنين منها قسريا، إضافة إلى تبديل اليافطات على الشوارع ومداخل التجمعات تدريجيا، وإلغاء اللغة العربية منها واقتصارها على العبرية.
وعلى ضوء المستجدات والظروف الإقليمية التي وصفها موقدي بأنها غير مساعدة، رأى أن الوضع في الأغوار خلال الفترة المقبلة ذاهب إلى الأسوأ، من خلال المزيد من عمليات التهجير القسري للتجمعات وتقييد الوجود الفلسطيني، وبالتوازي مع ذلك المزيد من التوسع الاستعماري وفرض وقائع استعمارية خطيرة على الأرض.
تحويل الوقائع الميدانية:
نشرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية في شهر أيلول/ سبتمبر 2025 ورقة بحثية من إعداد الباحث أمير داود بعنوان "تهجير التجمعات البدوية: الوصل والفصل الجيوسياسي في الأغوار بعد 7 أكتوبر"، تطرقت إلى تسارع خطوات الاحتلال في مجال قضم منطقة الأغوار "بصورة غير مسبوقة على مستويين متوازيين: تصعيد العنف المنهجي من قبل المستعمرين، وتوسيع منظومة القرارات والإجراءات الحكومية والإدارية التي تحول الوقائع الميدانية إلى هندسة جيوسياسية جديدة…".
وفصَّلت الورقة البحثية جملة من الممارسات والإعلانات المتسارعة بهذا الصدد: "فعلى صعيد إعلانات "أراضي الدولة"، أقدمت دولة الاحتلال مع نهاية عام 2023 على إعلان 501 دونم كأراضٍ للدولة، وفي مجمل عام 2024 أعلنت أكثر من 24 ألف دونم، وفي النصف الأول من عام 2025 أعلنت 744 دونماً إضافيا، جرى تسجيلها رسميا ضمن هذه الفئة. وبذلك سُجِّل رقم قياسي في إعلانات "أراضي الدولة" التي حولت عشرات آلاف الدونمات إلى سيطرة إسرائيلية مباشرة".
وجاء ذلك متزامناً، وفقا للورقة، "مع استكمال سياسات "تبييض" البؤر الاستعمارية، إذ تتابعت الإعلانات الحكومية بشأنها: من قائمة تضمنت 68 بؤرة يجري العمل على تسويتها منتصف عام 2024، إلى إعلان شرعنة أوضاع خمس بؤر في مناطق معزولة، كردّ مباشر على موجة الاعترافات بدولة فلسطين. وتطور الأمر إلى إصدار قرارين يقضيان بفصل 13 حياً استعماريا، وإنشاء 22 مستعمرة جديدة، فضلاً عن إضافة حواجز وبوابات خاصة في جنوب ووسط الضفة الغربية".
وتمتد الأغوار الفلسطينية على طول الحدود الشرقية للضفة الغربية من قرية عين جدي في الجنوب قرب البحر الميت، حتى منطقة عين البيضا ملامسة منطقة بيسان في الشمال، بمسافة تقدر بـ120 كم وبعرض يتراوح ما بين (5–20 كم) حسب اقتراب أو بعد السلاسل الجبلية من نهر الأردن، وبذلك تشكل 28% من الضفة الغربية، بمساحة تقدر بنحو 1600 كم مربع، ويعيش فيها أكثر من 65 ألف فلسطيني، وفقا لدراسة بحثية صادرة عن المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية.
الكاتبة: إسرائيل غوراني/ وفا
2026-05-25 || 12:00