بن ريف: لا أحد يمثل السياسة الإسرائيلية أفضل من بن غفير
صحيفة الغارديان البريطانية تنشر مقالاً كتبه نائب رئيس تحرير مجلة +972 بن ريف، وهي مجلة إلكترونية مستقلة يديرها صحفيون فلسطينيون وإسرائيليون، جاء فيه أن لا أحد يمثل السياسية الإسرائيلية اليوم أفضل من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
لا أحد يمثل السياسة الإسرائيلية اليوم أفضل من إيتمار بن غفير، قد يكون أكثر قادة البلاد جرأة، لكن روحه الأيديولوجية موجودة في جميع أنحاء حكومتها، وخارجها أيضاً.
لا، أنت لا تتوهم: الحكومات الغربية تدين إسرائيل بالفعل، واحدة تلو الأخرى، دون أي لبس. ليس بسبب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة التي أودت بحياة أكثر من 70 ألف فلسطيني، بالطبع، بل بسبب حيلة دعائية قام فيها وزير الأمن القومي الإسرائيلي بتصوير نفسه وهو يستهزئ بالناشطين الأجانب.
أسطول الصمود
صباح الأربعاء 20.05.2026، وصل إيتمار بن غفير إلى الميناء الذي احتجزت فيه إسرائيل مئات المشاركين في أسطول مساعدات دولي كان يحاول اختراق الحصار البحري المفروض على غزة. وفي مقطع فيديو نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر الوزير وهو يسخر من النشطاء الذين أُجبروا على الركوع في صفوف ورؤوسهم على الأرض وأيديهم مقيدة. ويُسمع النشيد الوطني الإسرائيلي يُبث عبر مكبرات الصوت، قبل أن نرى بن غفير يلوّح بالعلم الإسرائيلي ويصرخ: "أهلاً بكم في إسرائيل. نحن أصحاب الأرض هنا".
كان رد الفعل الدولي سريعًا وحاسمًا، بما في ذلك من وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، التي أعربت عن "استيائها الشديد" من الفيديو، ووصفته بأنه "ينتهك أبسط معايير الاحترام والكرامة في معاملة الناس". وانضم ممثلو حكومات فرنسا وإيطاليا وكندا وألمانيا وهولندا وإسبانيا وبولندا واليونان وأيرلندا وأستراليا ونيوزيلندا إلى جوقة المدينين، بل واستدعى بعضهم سفراءهم الإسرائيليين لتقديم إدانة رسمية. حتى إدارة ترامب أعربت عن إدانتها، حيث أكد السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، أن بن غفير "خان كرامة أمته".
كثيرون ممن انتقدوا تصرفات بن غفير، بمن فيهم هاكابي، وجدوا في إدانة حكومته لها عزاءً. فبينما وصف مكتب بنيامين نتنياهو نشطاء الأسطول بأنهم "مؤيدون لحركة حماس الإرهابية"، صرّح بأن تصرف وزير الأمن القومي "لا يتماشى مع قيم إسرائيل ومعاييرها". أما جدعون ساعر، وزير الخارجية الإسرائيلي، فقد ذهب أبعد من ذلك، إذ صرخ في برنامج "إكس": لقد ألحقتم الضرر بدولتنا عن عمد بهذا الاستعراض المشين. كلا، أنتم لستم واجهة إسرائيل.
بن غفير أفضل من يجسد إسرائيل
إلا أنه كذلك بالفعل. في الواقع، لا يوجد من يجسد إسرائيل اليوم بشكل أوضح من إيتامار بن غفير، وقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن يدرك هذه الحقيقة.
لنبدأ بالبديهي: بن غفير ليس أبداًشخصية هامشية في السياسة الإسرائيلية، بل هو أحد كبار الوزراء في الحكومة. . تمنحه وزارة الأمن القومي، التي أُنشئت خصيصاً له، سلطة مطلقة على قوات الشرطة الإسرائيلية النظامية والعسكرية داخل حدود الدولة المعترف بها دولياً وخارجها. وبهذه الصفة شنّ حملة قمع واسعة النطاق ضد حرية التعبير للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل؛ ووزّع 10,000 بندقية هجومية على المدنيين اليهود الإسرائيليين، بمن فيهم مستوطنون في الضفة الغربية؛ وعمل بجدّ على قلب الوضع الديني الحساس القائم منذ عقود في حرم المسجد الأقصى.
السجون أصبحت معسكرات تعذيب
وهو أيضاً مسؤول عن نظام السجون الإسرائيلي، الذي تحوّل، بحسب منظمة بتسيلم، أبرز منظمات حقوق الإنسان في إسرائيل، إلى شبكة من معسكرات التعذيب. ويفيد أسرى فلسطينيون في هذه السجون بتعرضهم للاغتصاب والاعتداء الجنسي، ومن المعروف أن نحو مئة منهم لقوا حتفهم في الحجز منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. ولعلّ الأمر الأكثر إثارة للجدل هو استغلاله لمنصبه في ريادة التشريع الجديد الذي يفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين فقط.
(بعد صدور تقرير بتسيلم، صرّحت مصلحة السجون الإسرائيلية لصحيفة هآرتس بأنها تعتقد أن الادعاءات المذكورة "لا أساس لها من الصحة" وأن "الحقوق الأساسية" للسجناء مكفولة بالكامل).
لكن نفوذ بن غفير على السياسة الإسرائيلية يتجاوز بكثير حدود وزارته. فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، كشف بوضوح عن النزعات العنصرية الكامنة في السياسة الإسرائيلية، والتي كانت موجودة منذ تأسيس الدولة، ولكنها كانت تُكبح إلى حد كبير مراعاةً للرأي العام الدولي.
طرد جماعي للفلسطينيين
أعاد بن غفير، المؤيد منذ زمن طويل للحاخام العنصري المتطرف مئير كاهانا، الذي اعتُبر حزبه "كاخ" متطرفًا لدرجة حظره في إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي، إحياء أجندة بطله المتمثلة في طرد الفلسطينيين جماعيًا، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو داخل إسرائيل. وقد تمكن من فعل ذلك تحديدًا بفضل الدعم الذي تلقاه من بنيامين نتنياهو نفسه.
بعد أن أدرك نتنياهو، الذي كان حينها في صفوف المعارضة، تضاؤل فرص عودته إلى رئاسة الوزراء قبل انتخابات عام 2022، قام بالتوسط في اندماج بين بن غفير وشريكه في الجريمة، بتسلئيل سموتريتش. وأصبحت قائمتهما المشتركة ثالث أكبر حزب في الكنيست الحالي، مما مهد الطريق أمام نتنياهو لتشكيل أكثر ائتلاف يميني في تاريخ إسرائيل ومنح بن غفير الوزارة التي كان يحلم بها.
ولهذا السبب لا يستطيع نتنياهو ببساطة "إقالة بن غفير"، كما اقترح البعض بعد هذه الحلقة الأخيرة: فالأمن السياسي لرئيس الوزراء (وبالتالي، حصانته من الإجراءات الجنائية) يعتمد الآن على الحفاظ على تماسك هذا الائتلاف.
ترسيخ أيديولوجية الكاهانية
لكن انتصار بن غفير الحقيقي لا يقتصر على ما حققه من خلال السياسة فحسب، بل يتعداه إلى مدى نجاحه في ترسيخ أيديولوجية الكاهانية في المجتمع الإسرائيلي.
بينما قاطع الكنيست بأكمله كاهانا نفسه عندما ألقى خطابه عام 1987، لا يكاد يوجد اليوم ما يفصل حزب "القوة اليهودية" بزعامة بن غفير عن العديد من الأحزاب الأخرى في الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما حزب الليكود بزعامة نتنياهو، وهو حزب اليمين الرئيسي في إسرائيل. فعلى سبيل المثال، غاب عن معظم التغطية الإعلامية لحركة بن غفير الدعائية وردود الفعل الدولية الغاضبة حقيقة أنه كان برفقة ميري ريغيف، وزيرة الليكود.
علاوة على ذلك، كان أعضاء حزب الليكود هم من دعوا ، عقب هجمات حماس في 7 أكتوبر، إلى "محو قطاع غزة من على وجه الأرض"، و"القضاء على كل شيء"، وتنفيذ "نكبة تفوق نكبة 1948". وقدّمت الحكومة بأكملها، إلى جانب الغالبية العظمى من المعارضة، دعمها الكامل للجيش الإسرائيلي الذي نفّذ تقريبًا ما كان يتوق إليه هؤلاء السياسيون. وكان نتنياهو نفسه هو من أمضى معظم العام ونصف العام الماضيين في البحث عن مواقع محتملة لنقل اللاجئين الغزيين جماعيًا.
رغم أن بن غفير قد يكون أكثر قادة إسرائيل الحاليين استفزازاً وجرأة، إلا أن الحقيقة هي أنه ليس وحيداً في هذا، ليس فقط في المجال السياسي. فروحه الأيديولوجية باتت محسوسة بشكل متزايد بين شباب البلاد، وفي صفوف الشرطة والجيش، وعلى رأس أجهزة الأمن.
أي وجه أكثر منه يمكن أن يمثّل حقاً إسرائيل اليوم؟
بن ريف/ الغارديان البريطانية
2026-05-24 || 10:15