ماذا استدخل الكتّابُ الكرد في العربية؟
يتحدث الكاتب الكردي السوري علي جازو عن استدخال الكتّاب الكرد ذائقتهم ومخيلتهم الكرديتين في اللغة العربية عند الكتابة بها، بعيداً عن الترجمة المباشرة.
علي جازو شاعر وكاتب كردي سوري. ولد في العام 1975 بعامودا في أقصى شمال شرق سوريا. أقام في دمشق ودرس الحقوق في جامعتها، ثم أُُرغم على مغادرة سوريا إلى بيروت في العام 2014، ومنها هاجر إلى ألمانيا في العام 2018. وهو حتى اليوم يقيم في برلين. ولا ينقطع جازو عن زيارة بيروت. زارها بعد صدور مجموعتيه القصصيتين "قصص في حجم حبة كرز" و"تبغ الفجر" في نهاية العام المنصرم (2025)، فأجرَت معه "المدن" حديثاً عن الكتابة والهجرة، والحَبْسة الكتابية التي أصابته سنوات في برلين، وعن أحوال الكرد السوريين في سوريا والمهاجر، وأثر كتاباتهم في اللغة العربية. وهنا نصّ إجاباته متوالية وبلسانه:
لغات الكرد ولهجماتهم
من عامودا الكرد في أقصى شمال شرق سوريا، إلى دمشق، فبيروت التي أقمتُ فيها 5 سنوات (2014- 2018)، فإلى برلين حيث أقيم منذ 8 سنوات، أين أنا اليوم من تجاب العيش والكتابة؟ أظن أن عامودا هي طفولتي وفتوتي وشبابي الأول، بداياتي الأولى في الكتابة، ومنبع دائم الحضور في حياتي، لكنه بعيد، شديد البعد، وقد أستعيده كتابةً، وقد لا أفعل.
لماذا هي دائمة الحضور؟
يقال إن الإنسان في حلّه وترحاله، يحمل طفولته، ذاكرته الأولى التي سجّلت بدايات الأشياء، الكلمات والصور عن العالم، المشاعر والانفعالات فيه والتفاعل الصامت الأخرس والمتكلم معه. أيعني هذا أنني أتبنّى طفولتي وأحتضنها؟ قد تكون طفولتي صعبة قاسية، لكني لا أستبعدها ولا أمقتها، وكلما باعدت المسافات الزمانية والمكانية بيني وبينها، ازدادت غموضًا، وصار تذكّري ذاك المنبع أصعب فأصعب، والتبست علاقتي به والتبس أثره في الحاضر، حاضري.
وارتبطت عامودا، موطني الأول، بازدواج كنا نعيشه نحن الأطفال الكرد، بلا تعارض ولا انفصام بين لغة حياتنا البيتية والعائلية، وهي الكردية المحكية أو الشفوية، بلا قراءة ولا كتابة بها، وبين لغة حياتنا المدرسية وفي مواضع ودوائر كثيرة خارجها، وهي العربية المحكية والفصيحة المقروءة والمكتوبة أو الكتابية. ولعل سبب اللاتعارض واللاانفصام بين هاتين اللغتين أنهما كانتا قائمتين وموجودتين قبل ولادتنا، ونستعملهما في حياتنا على السجية وتلقائياً، حسب الأوضاع والأماكن، وحسب من نكلم ويكلمنا، من دون شعورنا، نحن الكرد الأطفال، بأن وضعاً لغوياً آخر كان قائماً ثم تغير وحُرمنا منه، وأُجبرنا على أن نعيش أو نتكيّف مع وضع لغوي جديد. أي أن العربية لم تُفرض علينا فرضاً، ولا مُنعنا من تكلِّم الكردية في حياتنا اليومية. وهذه حال الكرد في سوريا والعراق، على خلاف حالهم في تركيا، حيث مُنعوا حتى من تسمية أبنائهم أسماء كردية.
لا، لم يكن الكرد يتذمرون من أنهم لا يتعلمون لغتهم في المدارس، بل كان عيشهم في لغتين مختلفتين أمراً طبيعياً. لكن هذه الحال قد لا تخلو من غرابة كنا نألفها ونعيشها بلا سؤال ولا استغراب. وفي معايير عالمنا اليوم تبدو هذه الحال نعمة ومصدر غنىً للتفكير والتعبير: نعمة أن يعيش المرء في لغاتٍ ثلاث: اثنتان محكيتان، هما الكردية والعربية، وثالثة للقراءة والكتابة وربما للتفكير، هي العربية الفصحى أو الكتابية.
ونحن الأطفال الكرد السوريين كنا نختلف عن أقراننا العرب السوريين بأننا نعيش في ثلاث لغات في دوائر ثلاث: في دائرة أهلنا وأقرارنا الكرد نتواصل ونغني ونتذكر بالكردية المحكية. وفي دائرة أقرارنا العرب نتكلم بالعربية المحكية. وفي دائرة حياتنا المدرسية نتعلم، نقرأ ونكتب، بالعربية الفصحى. وقد تكون هذه الأخيرة أقرب إلى بالنسبة إلينا إلى لغة وظيفية للتفكير والكتابة والقراءة، وللحصول على عمل ومهنة لاحقًا. وقد تذمر بعض من الكرد من تعلم العربية في المدرسة، ربما بسبب عجزه ومصاعب تعلّمها، فيقول: لديّ لغة أعرفها فلماذا أتعلم لغة جديدة صعبة؟!
ويحضر في هذا المجال أن العربية المحكية تحفل بلهجات كثيرة، حسب مواطن الولادة والإقامة والسكن. وهذا يشمل العرب والكرد السوريين. هناك مثلًا لهجة كرد جنوب ماردين، ولهجة كرد الفرات في الحسكة ودير الزور والرقة، وهي قريبة من اللهجة العراقية. أما كرد القامشلي فلهجتهم مدينية، حيث يتخالط المسيحيون والأرمن والكرد والعرب.
الاستدخال لا الترجمة
أظن أن ما سرّبه الكتّاب الكرد بالعربية واستدخلوه فيها، هي ذائقتهم ومخيلتهم الكرديتين، وهما مختلفتان ومتلونتان حسب كل كاتب كردي بالعربية. فسليم بركات مثلًا استدخل في العربية الفصحى أو الكتابية مخيلة كردية مادية غرائزية، وحشية وأسطورية. وهذا يختلف كثيرًا عما استدخله الشاعر جولان حاجي وحسين بن حمزة...
وعلى وجه العموم استدخلت الثقافة الكردية في العربية الفصحى الكتابية شيئًا ما أجنبيًا عنها. ولا أقصد بالأجنبية هنا أن الكاتب الكردي بالعربية يُترجم إليها من لغته الكردية، بل هو يستدخل ذائقته ومخيلته المستمدتين من تراثه وذاكرته وتجربته المعيشة في صلب اللغة العربية. أي أنه لا يفكر بالكردية ويكتب بالعربية. وقد يكون ما يحدث في هذه الحال عمليات كيميائية شديدة التعقيد ومن الصعب تفكيك عناصرها وشرحها، إلا على نحو فردي، تقريبي واحتمالي. وقد تشبه هذه العمليات الكيميائية، تلك التي تحدث لدى الكاتب العربي بالفصحى الذي يعيش حياته اليومية بالمحكية العربية، لكنه لا يترجم منها إلى العربية الفصيحة حين يكتب مستدخلًا العالم، عالمه، فيها. ولربما تفرّد الكتّاب المصريون باستدخالهم في عربيتهم الكتابية مصرية محكية أو شفوية المصدر، أكثر بكثير من سواهم من الكتّاب الآخرين بالعربية.
ما أود قوله أن المسألة هنا ليست مسألة ترجمة. فأن تترجم التجربة حين تكتب يعني أنك تكتبُ كتابة سيئة، ضعيفة أو فقيرة، وغير جميلة، أو تفتقد الجمال والحس الجمالي. وأجنبية الكردي، حين يكتب بالعربية، إنما تعني أنه يستدخل في صلب العربية ثقافةً أخرى. غير عربية، يكتبها بلغة عربية يسري فيها نفَس كردي معرّب. وأعني بالنفَس المخيلة وأنواع التشبيه والتصوير والوصف...
الغناء والرقص
وأرجح أن تراث وعالم الغناء الكرديين مصدر أساسي مما يستدخله الكتّاب الكرد في العربية. وهما تراث وعالم يستبطنان -إلى جانب الرقص الشعبي الكردي بزركشات أزيائه وألوانه وأساليبه وحركات الجسم وعلاقة الجنسين فيه -حساسية شعرية مادية. ومقارنة بالرقص والغناء الشعبيين في الدوائر العربية، أظن أن الكرديين أكثر حريةً وحيوية في المعنى الاجتماعي والثقافي وفي ما يتعلق بالعادات والتقاليد وأساليب التعبير.
فالرقص الكردي، لا سيما في الأعراس، رقص رغبوي جنسي، وكذلك الغناء الشعبي الكردي الذي تصف أغانيه النهود والأثداء والحلمات، شفاه النساء وسيقانهن، وصولًا إلى التباهي بمعاشرة المرأة ليلة كاملة. تُغنى هذه الأغاني في الأعراس وسواها من المناسبات المتعلقة بتحولات الفصول والطبيعة، ويدور الرقص على إيقاعاتها وكلماتها الإباحية، وفي حضور المئات من الأهالي، بينهم الأمهات والفتيات والأطفال.
لكنني أظن أن مستمعي كلمات هذه الأغاني التي يحفظونها وسمعوها عشرات المرات، إنما يسمعونها كتقليد كلامي سائر ومتوارث، ومنفصل عن الواقع الحي المعيش، المحافظ والتقليدي. أي أن تلك الأغاني غير مقترنة بسلوك عملي أو بدعوة تحررية إباحية. والجميع يعلم ذلك ويقرّ به بلا سؤال أو تفكير. وكأنما المستمعون إلى تلك الأغاني والذين يرددونها يعلمون أن ما يغنونه ليس سوى كلمات لا معادل لها في الواقع، أو أنها أمنيات وصور متخيلة، ولا يعون أو يدركون أنها تنطوي على دعوة تحررية.
الدين والقومية
ويظل السؤال قائماً: لماذا تُغنى هذه الأغاني الإباحية في حياتنا وأعراسنا نحن الكرد، فيما النمط العام السائد في حياتنا تقليدي، قبلي وعشائري محافظ؟ قد يكمن شطر من الجواب في أن محافظة المجتمع الكردي ضَعُفَ جذرها الديني، انبعاثه وتجدده فيها، لصالح حيوية العامل القومي في التجربة الكردية الثقافية والسياسية المعاصرة. وهذا يعني أن التقاليد والعادات الاجتماعية المحافظة في المجتمع الكردي المعاصر، مرتبطة بالقومية والعشائرية المتوارثة، أكثر بكثير من ارتباطها بالدين الإسلامي وبالوازع الديني الإسلامي.
فالعامل القومي يتقدم العامل الديني في الهوية الكردية. وفي المجتمعات الكردية القومية التي ما زالت حبيسة سيطرة أقوام وقوميات أخرى، لا يُستدخل الدين والتدين في صلب المشاعر القومية، ولا يُتخذان رافعة للقومية وللتحرر القومي، كما في الإيديولوجيا البعثية العربية مثلًا. والعصبية الكردية، القبلية والعشائرية في تنظيمها الاجتماعي، إطارها قومي وليس دينياً. والدين في المجتمع الكردي ليس قوميًا، بل هو شأن خاص، ولا ينطوي على دعوة عامة. لذا ظل الإسلام السياسي ضعيفاً، بل شديد الضعف في المجتمعات الكردية، مقارنة بحضوره القوي في المجتمعات العربية المعاصرة. وهناك تيارات سياسية متطرفة في شموليتها الستالينية والقومية في المجتمعات الكردية، لكن الدين لم يتحول إلى قوة أو دعوة سياسية لدى الكرد.
لعل الدين في الحياة الكردية نمط عيش بسيط، قوامه قيم أخلاقية، شعائر وطقوس، بعيدة كل البعد من السياسة والحياة السياسية، وعن التقاليد الاجتماعية وثقافتها. والكرد لم يعيشوا خصومات وصراعات مبعثها الدين والتديّن، وكأنما عبارة "لا إكراه في الدين" سارية المفعول في تدينهم.
الكاتب: محمد أبي سمرا/ المدن
2026-05-23 || 21:24