لبنان.. غارات عنيفة متواصلة على وقع جولة المفاوضات
يشهد جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً واسعاً مع استمرار الغارات الإسرائيلية، في وقت تتواصل فيه مفاوضات واشنطن وسط إنذارات إخلاء وغياب أي تقدم نحو وقف إطلاق النار.
يتواصل العدوان الإسرائيليّ على المناطق الجنوبيّة بوتيرةٍ عنيفة، وسط توسّع رقعة الغارات والإنذارات التي يوجّهها جيش الاحتلال إلى عددٍ من البلدات والقرى اللبنانيّة.
وفي هذا السّياق، وجّه المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، إنذاراً عاجلاً إلى السّكّان الموجودين في بلدات عين بعال، الخرايب، الزراريّة، عربصاليم، وعرب الجلّ، صيدا، مطالبًا إيّاهم بالإخلاء الفوري.
وقبل ظهر اليوم، نفّذت مسيّرة معادية غارةً على دفعتين استهدفت سيّارة قرب النّادي الحسينيّ في مدينة النبطيّة، ما أدّى إلى ارتقاء الشّابين محمد أحمد أبو زيد وجمال نور الدين، وجرح شخصٍ ثالث، أثناء وجودهم في المنطقة لإحضار مساعدات تموينيّة. كما أسفرت الغارة عن أضرارٍ لحقت بثلاث سيّارات إسعاف تابعة لإسعاف النبطيّة، إحداها أعطبت كلّيّاً، من دون تسجيل إصابات في صفوف فرق الإسعاف.
كذلك شنّت مسيّرة معادية غارةً على الحارة الغربيّة قرب المدينة الصناعيّة في بلدة كفررمان، وأفيد عن سقوط جريح.
حصيلة حاروف ومحيط المستشفيات
بلغت الحصيلة النهائيّة للمجزرة التي ارتكبها العدوّ الإسرائيليّ، ليل أمس، في بلدة حاروف، ارتقاء المواطن محمد علي شامي ونجله علي، والشاب حسن أحمد عواضة، وحسن حوماني، مدير مكتب الدخول في مستشفى الشيخ راغب حرب، بعدما أغار الطيران الحربيّ على منزلٍ كانوا داخله ودمّره بالكامل.
وفي تطوّرٍ آخر، أفاد رئيس مجلس إدارة مستشفى حيرام، الدكتور سلمان عيديبي، بأنّ ممرّضين اثنين أصيبا بجروح طفيفة جرّاء الغارة التي شنّها العدوّ الإسرائيليّ على مركز النجدة الشعبيّة قرب المستشفى. وأوضح أنّ غرفة الطوارئ استقبلت سبعة أشخاص أصيبوا بجروح مختلفة وحالتهم مستقرّة، مشيراً إلى أنّ نوافذ المستشفى وبعض أسقف الجفصين تضرّرت بفعل قوّة عصف الغارة.
مفاوضاتٌ بلا أجواء تفاؤليّة
في الموازاة، لم ينه اليوم الأوّل من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركيّة، أيّ أجواء تفاؤليّة. فالأنظار تتّجه إلى نتائج اليوم الثاني من الجولة الثالثة، التي انطلقت أمس تحت النار، على أن تختتم عند الثالثة من بعد ظهر اليوم الجمعة بتوقيت واشنطن.
وعقد اجتماعان أمس تخلّلتهما استراحة غداء، أطلع خلالها كلّ طرف مرجعيّته السياسيّة على ما يجري بحثه على الطاولة. وكان قصر بعبدا يواكب المحادثات عبر رئيس الجمهوريّة جوزاف عون والفريق الداعم للوفد اللبنانيّ.
وركّز الوفد اللبنانيّ على منع تحويل المفاوضات إلى مسار تطبيع سياسيّ مباشر، أو القبول بترتيبات أمنيّة تتجاوز السّيادة اللبنانيّة. في المقابل، سعت إسرائيل إلى فتح مسارين: الأوّل سياسيّ يهدف إلى الوصول إلى معاهدة سلام كاملة مع لبنان، تشمل حدوداً واضحة وعلاقات دبلوماسيّة واقتصاديّة، والثاني أمنيّ يركّز على مواجهة حزب الله وسحب سلاحه، مع الإبقاء على المنطقة العازلة لتأمين أمن الشّمال.
تفاهمٌ هشّ وخشيةٌ من فشل وقف الحرب
في الكواليس، بدا واضحاً أنّ ما جرى التوافق عليه قبل انعقاد الجولة لم يكن وقفاً شاملاً للنار، بل تفاهم حدّ أدنى يقوم على الفصل المؤقّت بين استمرار العمليّات العسكريّة واستمرار المسار السياسيّ. ويعزّز ذلك الخشية من فشل الاتفاق على وقف الحرب، في وقتٍ يقترب وقف إطلاق النار الهشّ من نهايته، من دون أن يضع حدًّا للاعتداءات الإسرائيليّة، وخصوصاً في جنوب لبنان.
وانعقدت الجلسة في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة، بعد اكتمال حضور الوفدين اللبنانيّ والإسرائيليّ. وترأّس الوفد اللبنانيّ السفير الأسبق لدى واشنطن سيمون كرم، فيما يقود سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر المحادثات عن الجانب الإسرائيليّ.
وطرح لبنان ثلاثة مطالب رئيسيّة: تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف الاعتداءات الإسرائيليّة، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي تحتلّها في جنوب لبنان. أمّا إسرائيل فربطت أيّ مسار سياسيّ مع لبنان بملف نزع سلاح حزب الله.
لكنّ إسرائيل رفضت الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، وتصرّ على استمرار عدوانها تحت عنوان "القضاء على الخطر" ومنع أيّ تهديد لأمنها أو لأمن سكان الشّمال، بدعمٍ واضح من الولايات المتحدة الأميركيّة التي تمنحها غطاء "حق الدفاع عن النفس".
"إعلان نيات" ومسار أمنيّ مطروح
وبحسب المعلومات، تتشدّد إسرائيل أكثر فأكثر في مسألة نزع سلاح حزب الله عبر خطوات عمليّة لا تعهّدات كلاميّة، فيما بقي الوفد اللبنانيّ على تواصل مع مجموعة عمل متابعة في قصر بعبدا.
ومن المتوقّع، بعد الجولة الثالثة، إصدار بيان نيات ووضع بداية إطار لاتفاق سياسيّ شامل. ومن بين الملفات التي يرجّح أنّها بحثت في الشقّ السياسيّ: التمديد لوقف النار، وهو ما يدفع لبنان في اتجاهه، وترسيم الحدود، وعودة النازحين، وتعليق قانون مناهضة التطبيع. ووصفت هذه العناوين بأنّها إجراءات لبناء الثقة.
وتفيد المعلومات بأنّ لبنان لن يعارض المقترح الأميركي المتعلّق بـ"إعلان نيات"، الذي ينصّ على تفاهم الجانبين حول ترتيبات أمنيّة تلتزم خلالها إسرائيل بالانسحاب من لبنان ضمن مهلة زمنيّة محدّدة، في مقابل احتفاظها بـ"حق" استهداف أيّ "تهديد وشيك" أو أيّ عناصر من حزب الله، مع إعادة تفعيل لجنة "الميكانيزم" لمتابعة ملف نزع السلاح في الجنوب بصورة أكثر تفصيلًا.
في المقابل، انتقدت كتلة "الوفاء للمقاومة" التابعة لحزب الله مسار المفاوضات الجارية في واشنطن برعاية أميركيّة، واتّهمت إسرائيل باستغلال الجلسات لمواصلة جرائمها وتوسيع احتلالها. في حين صرّح مسؤول في وزارة الخارجيّة الأميركيّة لقناة "الجزيرة" بأنّ الهدف من المحادثات هو التهيئة لمناخ بنّاء بين الطرفين.
إنذاراتٌ جديدة وغاراتٌ متواصلة
ميدانيًّا، وجّه المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، إنذارًا عاجلًا إلى سكان بلدات شبريحا، حماديّة، صور، زقوق المفدي، معشوق، والحوش.
وقال أدرعي عبر "إكس": "في ضوء قيام حزب الله الإرهابيّ بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، يضطرّ جيش الدفاع إلى العمل ضدّه بقوّة. جيش الدفاع الإسرائيلي لا ينوي المساس بكم".
وبينما كانت المفاوضات منعقدة في واشنطن، صعّدت إسرائيل وتيرة عدوانها، في مقابل تنفيذ حزب الله سلسلة عمليّات ضد قوات الاحتلال. وأعلنت تل أبيب إصابة مدنيّين إثر هجوم بمسيّرة انقضاضيّة استهدف منطقة رأس الناقورة، فيما توعّدت مصادر إسرائيليّة بردّ عسكريّ.
ونقلت هيئة البثّ الإسرائيليّة عن مصدر مسؤول قوله إنّ استهداف حزب الله مدنيّين بمسيّرة في رأس الناقورة يعدّ "تجاوزاً للخطوط الحمر"، مؤكّداً أنّ الجيش سيردّ على هذا الهجوم. كما أفادت القناة "12" الإسرائيليّة بأنّ الجيش بدأ تزويد قواته العاملة في لبنان بشبكات من "الأسلاك الشائكة" كإجراء وقائيّ لمواجهة المسيّرات المتفجّرة، في ظلّ الصعوبات التي تواجهها الدفاعات الجويّة التقليديّة في رصد هذه الطائرات الصغيرة واعتراضها.
ميدانيّاً أيضاً، تعرّضت مرتفعات علي الطاهر، والنبطيّة الفوقا، وكفرتبنيت، وجبشيت، وميفدون، في جنوب لبنان، لقصف مدفعيّ إسرائيليّ عنيف. كما شنّت مسيّرة إسرائيليّة غارة على بلدة حداثا، بالتزامن مع بيان للجيش الإسرائيلي زعم فيه مهاجمة مستودعات أسلحة، ومواقع رصد، ومقارّ قيادة تابعة لحزب الله.
واستهدف قصفٌ مدفعيّ إسرائيليّ بلدات أرنون، ويحمر الشقيف، وزوطر الشرقيّة، وزبدين، جنوبيّ لبنان، فيما شنّت غارات على بلدتي حاروف وفرون.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ عمليّات دقيقة استهدفت عربة "هامر" عسكريّة في بلدة طيرحرفا، إضافةً إلى استهداف تجمّع لقوات الاحتلال في موقع رأس الناقورة بمسيّرة انقضاضيّة.
المصدر: المدن
2026-05-15 || 19:45