الرواية السورية بعد 2011: النجاة شكلاً وحيداً للوجود
منذ عام 2011، لم تعد الرواية السورية معنية بإنتاج الأبطال، بل بكشف عالم فقد شروط إنتاج المعنى، وشخصيات تحولت من فاعل تاريخي إلى كائن يعيد استيعاب العنف دون قدرة على تحويله إلى معنى مستقر.
لم يكن التحوّل الذي أصاب الشخصية الروائية في الأدب السوري خلال سنوات الحرب، أي بعد 2011، مجرد تبدّل في السمات النفسية أو في تقنيات البناء السردي أو الوظائف السردية، بل كان نتيجة مباشرة لانهيار البطل بوصفه مركزاً للسرد ذاته، نتيجة لانهيار البنية التي تجعل "البطل" ممكناً، بوصفه مركزاًَ للفعل والمعنى داخل النص.
فالبطل، في صيغته الكلاسيكية، ليس مجرد شخصية فاعلة، بل هو نقطة تنظيم المعنى داخل النص: من خلاله يُفهم الحدث، وعبره تُبنى العلاقة بين الفرد والتاريخ. إنه أيضاً: افتراض سردي يقوم على وجود عالم قابل للتأثير، وزمن يسمح بتراكم الفعل، وذات قادرة على تحويل الفعل إلى أثر يمكن تتبعه داخل حركة السرد. غير أن الحرب السورية، بما أنتجته من عنف وانكسار في الأطر السياسية والرمزية، أعادت تفكيك هذه الافتراضات من جذورها، بحيث لم يعد البطل يُهزم داخل العالم الروائي، بل أصبح العالم نفسه غير قادر على إنتاجه.
ومع ذلك، في بداية الثورة، 2011، بدا أنّ هذا المركز يُستعاد مؤقتاً عبر نموذج "الثائر المثالي": شخصية متماسكة أخلاقياً، واضحة الانتماء، قادرة على ربط تجربتها الفردية بأفق جماعي مفتوح، يتعامل مع الثورة بوصفها لحظة تحول تاريخي قابلة للتجسيد السردي. لكن هذه الاستعادة لم تكن سوى لحظة عابرة، سرعان ما انهارت في ظرفها: زمن لم يعد قابلاً للاختزال في سردية بطولية واحدة.
هكذا، لا يمكن فهم تحوّلات الشخصية الروائية بوصفها انتقالاً من القوة إلى الضعف، بل بوصفها تفككاً تدريجياً لفكرة البطولة نفسها، مسار تفكيكي طويل ينتقل فيه البطل من كونه مركزاً للقرار إلى حامل للصدمة، من كونه فاعلاً تاريخياً إلى جسد يعيد استيعاب العنف دون قدرة على تحويله إلى معنى مستقر.
"لا سكاكين".. العائلة مختبراً للانهيار
في رواية "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" للراحل خالد خليفة، لا تتجسد البطولة في فرد واحد، بل تتوزع داخل بنية عائلية مثقلة بالتاريخ. لا تقدم الرواية بطلاً مركزياً، بل عائلة ممتدة تتحول تدريجياً إلى فضاء لانهيار المعنى نفسه. لا تعمل العائلة بوصفها نواة استقرار اجتماعي، بل كجهاز سردي يعيد توزيع الانكسار بين أعضائه دون أن يسمح بتكوّن مركز ثابت.
فالأم، على سبيل المثال، التي تحاول الحفاظ على تماسك العائلة تتحرك داخل منطق إنكار طويل، لا تُبنى بوصفها شخصية فاعلة تقود السرد، بل كبنية استمرارية صامتة، تُبقي الحياة ممكنة داخل انهيار بطيء وممتد. إنها تطهو وتنتظر وتعيد ترتيب اليومي، لكن هذا الفعل لا يتحول إلى بطولة مضادة، بل إلى شكل من أشكال التكيف مع الانهيار.
بينما يبدو الأب أقرب إلى أثر باهت لسلطة سابقة فقدت فعاليتها، سلطة لم تعد قادرة على إنتاج النظام أو فرضه، لكنها بقيت كعلامة رمزية فارغة، تذكّر بما كان أكثر مما تؤثر فيما هو كائن.
وتتحول الشخصيات الأخرى إلى كائنات تعيش داخل ذاكرة مشروخة لا تسمح بالفعل، هنا لا يُهزم البطل، بل يُفرَّغ موقعه من الوظيفة: ما ينتج عن هذا التكوين هو غياب كامل لأي مركز سردي يمكن أن يُبنى حوله "بطل"، لأن كل محاولة لتثبيت الفعل يتم تفكيكها داخل شبكة علاقات لا تعترف بالمركز أصلاً. الشخصية هنا لا تُهزم، بل تُذوَّب داخل بنية عائلية تحوّل الانكسار إلى الحالة الطبيعية الوحيدة الممكنة.
الخوف بنية سردية
في رواية "الخائفون" لديمة ونوس، يتعمق هذا التحول نحو الداخل، حيث لم تعد الشخصية تُعرّف عبر أفعالها، بل عبر حالتها الوجودية المستمرة. لا يُقدّم البطل بوصفه ذاتاً تتعرض للعنف، بل ذات يُعاد تشكيل إدراكها للعالم تحت ضغط الخوف بوصفه بنية دائمة.
في شخصية "سليم" لا يظهر الخوف كاستجابة لحدث خارجي، بل بنية داخلية تعيد تشكيل القرار نفسه، تعيش الشخصية داخل فضاء تتآكل فيه إمكانية الاختيار. علاقتها بالحب، بالمدينة، بالذات، تبقى معلقة داخل تردد دائم، حيث يصبح الفعل نفسه محفوفاً باستحالة الحسم. وفي مشهد متكرر داخل الرواية، حين يفترض بالشخصية أن تتخذ قراراً بالانحياز أو المغادرة أو المواجهة، لا يحدث الفعل بوصفه فعلاً، بل تأجيلاً داخلياً مستمراً. القرار لا يُمنع من الخارج، بل يُفرغ من الداخل عبر سلسلة من التوقعات والاحتمالات التي تُبقي الذات في حالة تعليق دائم. هنا لا يعود الخوف عارضاً نفسياً، بل يصبح نظاماً لإدارة الزمن، يجعل كل مستقبل محتمل غير قابل للتحقق.
ما يميز هذا النموذج هو أنّ الخوف لا يعطل الفعل فقط، بل يصبح شكلاً بديلاً للوجود، لا انحرافاً عنه. وبذلك تفقد الشخصية مركزها بوصفها فاعلاًَ، وتتحول إلى مساحة لتفكك القرار: لا تُلغى البطولة بوصفها بنية زمنية، لأنها تفترض زمناً يسمح بالحسم، بينما تقدم الراوية زمناً يعيد امتصاص كل حسم قبل أن يظهر.
الزمن المعطّل للفعل
في رواية "كما ينبغي لنهر" لمنهل السراج، لا تُقدَّم الهزيمة بوصفها حدثاً، بل بوصفها بنية زمنية مغلقة تسبق الفعل وتحدده مسبقاً. تتخذ الشخصية وضعاً أكثر جذرية من العجز، إذ لا تظهر بوصفها فاعلاً فاشلاً، بل ككائن محاصر داخل زمن لا يسمح بالفعل أصلاً، أفقها لا يسمح بإنتاج فعل كامل.
في تجربة الشخصية المركزية، التي تحاول إعادة بناء علاقة إنسانية أو عاطفية بعد انهيار سياقها، لا يظهر الفشل بوصفه نتيجة قرار، بل بوصفه آلية داخلية لإفراغ القرار من أثره. تحاول الشخصية أن تبني معنى عبر الذاكرة أو إعادة قراءة الماضي، لكن الزمن السردي لا يسمح بتحويل الذاكرة إلى فعل، بل يعيد تدويرها داخل دائرة مغلقة لا تنتج أي تحول. الزمن هنا لا يتحرك إلى الأمام ولا إلى الخلف، بل يعمل كحالة تجميد مستمرة تمنع الفعل من أن الحدوث.
يتقاطع الحاضر، والزمن لا يتحرك نحو نتيجة. بذلك تتحول الهزيمة إلى شرط وجودي: ليست ما يحدث للشخصية، بل ما يجعل حدوث أي شيء مستقر أمراً غير ممكن.وبالتالي، لا يكون غياب البطل نتيجة انهيار نفسي أو أخلاقي، بل نتيجة بنية زمنية لا تنتج شروط ظهوره من الأساس.
تفكك الرغبة
في رواية "نساء عند خط الغياب" للسمر نصار، يبلغ تفكك البطل مستوى أكثر حدة، حيث لا يعود الخلل في الفعل نفسه، بل في إمكانية تأسيس رغبة تقوده. الشخصيات لا تتحرك داخل مشاريع أو غايات، بل ضمن تدفقات يومية تتكرر.
الشخصية النسائية المركزية تتحرك داخل يوميات تبدو عادية ظاهرياً، لكنها تخلو من أي مركز داخلي ثابت. الأفعال لا تنبثق من قرار واضح، بل من استجابات متقطعة لفراغ سابق على الوعي نفسه. حتى عندما يبدو أن هناك اختياراً، يكشف السرد أن هذا الاختيار لا يستند إلى رغبة مستقرة، بل إلى عجز عن تخيّل بديل آخر. لا يمكن تتبع تطور نفسي أو سردي واضح، لأن الذات نفسها غير متشكلة بوصفها وحدة مستقرة، بل تتابعاً من الحالات التي لا تنتج هوية.
اللغة السردية نفسها تعكس هذا التفكك، إذ تعمل كأثر منفصل عن الذات: تقول الشخصية ما لا يبدو أنه يعبّر عنها بالكامل، وكأن السرد فقد ثقته بوجود مركز نفسي يمكن نسب الكلام إليه. تصبح اللغة أقرب إلى تسجيل آثار غيابٍ ما، أكثر من كونها تمثيلاً لذات حاضرة. في هذا السياق، لا يعود البطل غائباً فقط، بل يصبح وجوده نفسه غير قابل للتأسيس: لا رغبة، لا هدف، ولا حتى وعي مستقر يمكن أن ينتظم حوله الفعل. إنه غير مكتمل التكوين، وكأن شروط تشكله لم تتحقق داخل بنية السرد.
إعادة تعريف
ما تكشفه هذه التحولات ليس مجرد انتقال من نموذج بطولي إلى آخر مضاد، بل تفكك عميق لوظيفة الشخصية داخل السرد وانهيار في البنية التي تجعل البطولة نفسها قابلة للتخييل. فبدلاً من أن تكون الشخصية مركزاً للفعل والمعنى، أصبحت موقعاً لانكشاف استحالة تثبيت هذا المركز أصلاً، فضاءً لانكشاف استحالة التماسك داخل عالم فقد شروط إنتاج المعنى. الشخصية هنا بين إمكانين متناقضين: الفعل بوصفه افتراضاً سردياً، والنجاة بوصفها شكل الوجود الوحيد الممكن.
في هذا التوتر، تتشكل شخصية روائية لا تستند إلى يقين، ولا تدّعي تمثيل الكل، بل تتحرك داخل هشاشة بنية العالم نفسه. لم يعد السؤال: من هو البطل؟ بل: هل ما يزال السرد قادراً على افتراض وجود بطل في عالم يتفكك من الداخل؟
بين "الإنسان المثالي" و"الإنسان المهزوم، لا تقع مسافة تطورية، بل انهيار بنيوي يعيد تعريف وظيفة السرد نفسها: من إنتاج الفعل إلى كشف استحالته، ومن بناء الشخصية إلى تفكيك شروط وجودها.
في هذا الانهيار تحديداً يعيد الأدب السوري تعريف نفسه، والرواية كذلك: إنها ليست معنية بإنتاج أبطال، بل بكشف العالم الذي لم يعد يسمح بظهورهم أصلاً.
الكاتب: يوسف م. شرقاوي/ المدن
2026-05-15 || 18:55