عبد الرحمن الأبنودي.. الرجل الذي حارب أمريكا بالأغنية
تعرف على سيرة الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي، الذي حارب أمريكا بالأغنية، من خلال أغاني شهيرة مثل: أحلف بسماها وبترابها، بالدم، إنذار يا استعمار، يا بركان الغضب يا موحد العرب، وأشهرها أغنية: ابنك يقولك يا بطل، التي تحمل شطر "ولا فيش مكان للأمريكان بين الديار".
في بداية سبعينيات القرن الماضي وقت أن كان المصريون يتبادلون على نطاق واسع أشرطة كاسيت تحمل خُطَب الشيخ عبد الحميد كشك - أحد الأصوات الأخوانية المعروفة – قدر تبادلهم لأغنيات المطرب الظاهرة أحمد عدوية انتشرت بين الناس واقعة تهكم الشيخ كشك على شاعر العامية عبد الرحمن الأبنودي الذي كان التقاه أثناء وجود الاثنين رهن الاعتقال العام 1966، كشك بسبب انتمائه إلى جماعة الأخوان في ذروة الحديث عن قضية محاولة قلب نظام الحكم التي قادت مُنَظر الجماعة في ذلك الوقت سيد قطب إلى الإعدام العام 1965، والأبنودي بتهمة الانتماء إلى تنظيم يساري يهدف هو الآخر إلى زعزعة استقرار الحكم فيما عرف حينئذ بقضية "الخلية الصينية".
الشيخ كشك التقى الأبنودي بالمعتقل
يحكي كشك من فوق منبر مسجده الشهير بمنطقة "دير الملاك" بالقاهرة أنه التقى بالأبنودي بالمعتقل فإذا به يقول له: ألا تعرفني؟ فتهكم عليه الشيخ الضرير قائلا: تطلع مين يعني؟ ليرد الشاعر الشاب ساعتها: أنا عبد الرحمن الأبنودي مؤلف أغنية "تحت الشجر يا وهيبة" وأغنية "التوبة" كانت الأغنية الأولى التي كتبها الأبنودي ليغنيها المطرب محمد رشدي من ألحان عبد العظيم عبد الحق قد حققت انتشاراً مدوياً في علم الأغنية الذي ربما لم يكن يعرف عنه الشيخ الضرير وعشيرته في المعتقل شيئاً، تماماً مثل موقفهم من الأغنية الثانية التي تغنى بها عبد الحليم حافظ من ألحان بليغ حمدي، وهنا تحول اللقاء العابر في ساحة المعتقل إلى حفل سخرية أقامه الإسلاميون المعتقلون لذلك الشاعر الذي ظن أنه يكفيه أن يكون مؤلف أغنية عاطفية ذائعة الصيت.
لم يتوقف الأبنودي المولود في الحادي عشر من نيسان 1938 أمام هذا الموقف رغم كثرة أحاديثه الإعلامية عن ذكرات مشوار العمر، لكنه قال لي في لقاء خاص حين ذكرته بما حكاه الشيخ كشك، أنه خرج من المعتقل في نيسان - كذلك!!- 1967 وقد انطوى على تغيير مساره بما يجعل اسمه مقترنا بما يحظى بتقدير الجميع على اختلاف انتماءاتهم رغم إيمانه بما قدمه مع المطرب محمد رشدي تحديدا، فحمل حقائبه مباشرة من المعتقل إلى قريته ابنود بمحافظة قنا في صعيد مصر عاقداً العزم على جمع أشعار السيرة الهلالية ومقررًا عدم كتابة الأغنية العاطفية بعد تلك الواقعة، وبينما مصر في حالة شحن جماهيري لم تعرفه من قبل، وأبواق الإعلام الرسمي تهيئ الناس لمعركة قادمة مع إسرائيل على خلفية الحشود الإسرائيلية على الجبهة السورية يتلقى الأبنودي وهو في قريته اتصالاً هاتفياً من عبد الحليم حافظ والإذاعي المعروف أحمد سعيد مدير إذاعة صوت العرب يطالبانه بالعودة سريعا إلى القاهرة لأن البلد في حالة حرب، وعليه أن يكتب أغنية تناسب هذه الظروف، ولم يكن الأبنودي – كما قال لاحقا – مؤمنا في تلك اللحظة بتوجهات القيادة السياسية ولا بنيتها الدخول في حرب مع إسرائيل، لكنه وجدها فرصة للتعبير عن موقفه من إسرائيل وأميركا طالما هو غير قادر على حمل السلاح والمشاركة في المعركة المنتظرة.
أغنية أحلف بسماها وبترابها
ويحكى الشاعر الراحل أنه مشحونا بهذه الدوافع استغل رحلة القطار من قنا إلى القاهرة وقام بوضع كلمات أثنتي عشرة أغنية، ومن محطة القطار في ميدان رمسيس إلى منزل الموسيقار كمال الطويل بالزمالك ليسمعه كلمات هذه الأغنيات التي كان من بينها: أحلف بسماها وبترابها، بالدم، إنذار يا استعمار، يا بركان الغضب يا موحد العرب، أضرب، ثم درة هذه الأغنيات التي حملت موقفا سياسيا واضحا، وهي "ابنك يقول لك يا بطل" التي يقول فيها الأبنودي: ابنك يقول لك يا بطل هاتلي نهار، ابنك يقول لك يا بطل هاتلي انتصار، ابنك يقول أنا حواليا الميت مليون العربية، ولا فيش مكان للأميركان بين الديار". ليتحول الشطر الأخير من الأغنية من موقف شخصي من جانب شاعرها إلى هتاف تردده الجماهير في كل مكان وشعار عام لتلك الأيام التي سبقت نشوب حرب حزيران 1967 بحسب ما يتذكره جيدا من عاشوا أجواء هذه المرحلة المحتقنة من تاريخ المنطقة العربية.
قطيعة بين الأبنودي وأم كلثوم
ودخل عبد الحليم حافظ استوديو الإذاعة المصرية لتسجيل هذه الأغنية في الخامس والعشرين من أيار 1967 باليوم ذاته الذي أعلن فيه عبد الناصر إغلاق مضيق تيران في وجه الملاحة الإسرائلية، وظن الأبنودي أن حكاية "ابنك يقول لك يا بطل" قد انتهت عند هذا الحد لكنه فوجئ بأم كلثوم التي كانت متواجدة بالإذاعة المصرية تطلب من كمال الطويل أن تغني هذا العمل، لكن الأبنودي رفض وقال للطويل: أتريدني أن أطلب من عبد الحليم أن يخرج من الأستوديو كي تغني أم كلثوم الأغنية بدلا منه؟! هذا لن يكون أبدا، ومنذ تلك اللحظة وقعت القطيعة بين الأبنودي وأم كلثوم، وفشلت كل المحاولات في الجمع بينهما في عمل غنائي واحد.
ووقعت الهزيمة بكل مراراتها، ولم يفلح الشحن المعنوي في شيء، ولم تجد كل تلك الأغنيات نفعا، وانكسر بل وانكفأ كل من صنعوا هذا الزيف: الإذاعي أحمد سعيد والأبنودي وصلاح جاهين وكمال الطويل، إلا عبد الحليم الذي أصر على المقاومة، آخذا في طريقه من جديد شاعره المناضل بالغناء، فأخرج الأبنودي من سترته قصيدة كان قد كتبها قبل سنوات متوقعاً الهزيمة الآتية لا ريب، وألقى بها في حجر الملحن بليغ حمدي بعد أن رفض كمال العودة إلى التلحين، فكانت المرثية التحريضية البديعة "عدى النهار" التي يقول الأبنودي في مطلعها: "عدى النهار، والمغربية جاية تتخفى ورا ضهر الشجر، وعشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر، وبلدنا على الترعة بتغسل شعرها، جانا نهار ما قدرش يدفع مهرها" وهكذا أصبح النهار الذي كان الابن يطالب به في أغنية " ابنك يقول لك يا بطل" هو ذاته الذي لم يستطع أن يدفع مهر البلد التي تغسل شعرها على ضفة إحدى الترع في ريف مصر، لكن الأبنودي وعبد الحليم لم يشآ أن تسري تلك الروح الانهزامية فأنهيا "موال النهار" بهذه الجملة التحريضية "أبدا بلدنا للنهار بتحب موال النهار لما يعدى في الدروب ويغمي قدام كل دار".
هزيمة 1967 ونصر 1973
وفي العام التالي على هزيمة 1967 استمر الأبنودي في نضاله بالكلمة والأغنية، وكتب لعبد الحليم أغنية "المسيح" التي لحنها بليغ حمدي أيضا وغناها العندليب لأول مرة في حفل قاعة "ألبيرت هول" بلندن لتحمل موقفاً سياسياً واضحاً من قضية القدس، لكن فجأة شعر الأبنودي في هذه الأثناء بعبثية كل ما يحدث، وأن الغناء لن يحرر الأرض أو يحرك القضية، فذهب إلى مدينة السويس ليشارك الجنود والأهالي الباقين هناك مأساة الهزيمة، ويتبنى صوت المطرب محمد حمام صاحب أغنية: يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي، استشهد تحتك وتعيشي أنتي" وبعد وفاة عبد الناصر العام 1970 ويأس الأبنودي من قدرة السادات على تحريك الوضع قرر الشاعر الكبير الهجرة إلى العاصمة البريطانية لندن، وبقى بها حتى استدعاه عبد الحليم من جديد في شباط 1974 بعد أسابيع من نصر أكتوبر ليكتب له واحدة من أرق أغنيات النصر، وهي "وصباح الخير يا سينا: من ألحان كمال الطويل الذي كان قد عاد إلى التلحين الوطني مع بدء معركة 1973.
المدهش أنه مع تداعي الأحداث الأخيرة في لبنان وغزة وإيران، شهدت محركات البحث اهتماما واضحا بأغنية "ابنك يقول لك يا بطل" ولا سيما الشطرة التي تقول: "ولا فيش مكان للأميركان بين الديار" ولأشد ما أصاب الإحباط الباحثين عن الأغنية حين وجدوها منزوعاً منها هذا الشطر بفعل تغير الموقف الرسمي المصري من الولايات المتحدة الأميركية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي.
المصدر: المدن
2026-04-30 || 17:31