كتاب دوز: خارج الموعد.. لجمعة الرفاعي
بعد ديوانه الأول "سجينيوس"، يعود الكاتب والشاعر الفلسطيني جمعة الرفاعي إلى تناول تجربة الاعتقال في كتاب يحمل عنوان "خارج الموعد". جمعة الرفاعي من مواليد كفر عين عام 1978 ودرس الأدب العربي في بيرزيت، ويشغل حاليا منصب المدير التنفيذي للاتحاد العام للكتاب وا
صدر مؤخراً سردية "خارج الموعد" عن دار الجندي للنشر والتوزيع للكاتب الفلسطيني جمعة الرفاعي في 81 صفحة من القطع المتوسط.
والسرد هو الكيفيَّة التي تُروى بها القصَّة وهو كذلك طريقة عرض الحوادث في القصَّة، أو هو نقل حادثة من صورتها الواقعة في الواقع إلى صورةٍ لغويَّة. ويصنف الكتاب بأنه سرد ذاتي أو غير مباشر، لأن الكاتب يروي القصة على لسان أحد أبطالها (الكاتب نفسه). وهذا الكتاب هو وليد القضبان والزنازين، لذا يصنف أيضا بأنه "أدب معتقلات" أو "أدب سجون".
يهدي الكاتب سرديته "إليهم..."، ليطلق للقارئ العنان في ثلاث نفاط أن يتخيل من يشاء ولا يضعه في قيد أشخاص كما هو حال معصميه. ويبدأ السرد بحكمة: "هذا العالم ليس غريبا بالقدر الذي لم نكن نتوقعه". هذه الجملة، التي تبين أن الكاتب تمرد على السجن أو اعتاد عليه، بحيث أنه لم يكف عن إنسانيته كما السجان. الكاتب الذي سجنوه جسداً وأطلقوا نفسه وروحه، لأنهم لم يجدوا قيداً يتسع لفضائهما الرحب. هي النفس ذاتها التي حلقت خارج الموعد لتصل إلى فترة زمانية قبل تجربة الاعتقال وتحديداً في خريف 2002.
أستطيع القول إن هذا الكتاب القصير جداً يعطي كماً هائلاً من الحكم تصلح لكثير من الأزمنة، منها مثلاً:
"لماذا نجد أنفسنا في بعض الأوقات من وقتنا نعود للماضي؟ نلتمس فيه ملاذاً لأرقنا الذي يكبلنا بالرحيل إلى الضباب، ليحمينا من برد الأبد وصقيع الضجيج. هل هو رد فعل على الحياة عندما يصبح إدراكها محنة ومعرفتها مأساة؟".
"أستطيع القول إنه عندما تكون في التجربة وتتحدث عنها كأنك خرجت منها، فهذا يعني أنك تعرف ما أنت فيه".
"كم من الناس اختصروا حياتهم بدمهم وتركوه يسيل ليكمل الفكرة اعتقاداً منهم أن هناك من سيفهمها؟".
"سنوات السجن ليست طويلة عند الذين يملكون وعياً وإدراكاً بالواقع، فالحياة ليست أكثر من بحث دائم وأسلوب قابل للتغيير والتكيف مع المحيط".
"ما أقصر العالم، وما أعظم الأحداث".
داخل هذه السردية يحلق جمعة الرفاعي خارج السجن ويكسر نظرية السجان بالقيد والمدة المحكوم بها ويجعله هشاً، بأن لا يعطي اعتباراً لأن يتحدث عن سجنه وغرفة التحقيق والأكل والرفاق والكتب والسجائر كما يفعل الكثيرون في أدب السجون. جمعة الرفاعي لم يحكم على الروح، فأطلقها قبل الزمن ليقول لنا قصته مع إمرأة جميلة وأختها وكيف أنه أدخل روحيهما أيضا إلى أحلامه داخل المعتقل.
هذه السردية تبوح بما يوجد داخل النفس وتعطي قيمة جميلة، بأن الكاتب يستطيع أن يكتب شيئاً خارجاً عن معطيات الحدث. هو وحده له الحق في اختيار أدواته وأساليبه. هو وهو فقط، الذي يحرر نفسه إلى أي زمن أراد عندما يريد.
ولا أخفي على القارئ أنني في آخر السردية شعرت بالملل من طريقة السرد نفسها بين البطل والبطلة في حوار يستغرق تقريباً سبع صفحات، ولكن غفرت للكاتب كل ما شعرت به بسبب جملته آخر الكتاب، بأنه نشر دون أي تعديل أو إضافة وتعمد أن ينشره كما هو طازجا باللحظة التي خرج منها وكُتب فيها.
قراءة ممتعة.
بقلم :حنان نمروطي
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2015-02-25 || 18:32