أزمة خبز متفاقمة.. عن محاولة توفير الخبز بالقطاع
حصارٌ إسرائيلي يفاقم مجاعة الغزيّين من شمال القطاع إلى جنوبه، وسط تحكُّمٍ بعدد شاحنات المساعدات التي تدخل يومياً وتأمين عمل العصابات واللصوص، ما يدفع الفلسطينيين للبحث بديلٍ حتى للخبز.
عبثًا حاول الشاب مصطفى العقاد (35 عامًا) الحصول على ربطة خبز بعد وقوفه في طابور طويل أمام المخبز الوحيد الذي ما يزال يعمل وسط مدينة خان يونس جنوب قطاع غزّة. "فالحصول على ربطة الخبز بات حلمًا صعب المنال، وكثيرًا ما أقف في الطابور ثم سرعان ما يتبدد بعد لحظات من شجار بسيط ثم يتحول الأمر لبقعة من الفوضى العارمة"، كما يقول العقاد.
ومنذ عودة مصطفى العقاد إلى ما تبقى من منزله بعد رحلة نزوح استمرت 10 أشهر في منطقة المواصي غرب المدينة، وهو يجد صعوبة في توفير الخبز لأسرته المكونة من 5 أشخاص.
ويضيف العقاد: "تخيل أن ربطة الخبز باتت هدية المخطوبين في غزة! هذا يؤشر لمدى صعوبة ما نحن فيه للحصول على أبسط مقومات الحياة".
ويوضح مصطفى العقاد، أن هذه الأزمة تعمَّقت بعد تدمير القصف الإسرائيلي لمعظم المخابز الرئيسية في خانيونس خلال اجتياحه البري الواسع في كانون الأول/ديسمبر 2023، فضلًا عن ارتفاع سعر كيس الدقيق وزن 25 كيلو غرام ليصل إلى ألف شيكل (280 دولارًا)، ما يجعل الأسر غير قادرة على شراء كيس كامل، هذا في حال توفره.
ومنذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يواجه الفلسطينيون أزمة حقيقية في توفير الدقيق والخبز، بعد منع إدخال الوقود اللازم لتشغيل المخابز، ونقص كميات الدقيق في الأسواق؛ بفعل تقليص عدد شاحنات المساعدات وازدياد عمليات السطو عليها، التي تتم بمراقبة إسرائيلية وتسهيل تلك العمليات للعصابات واللصوص.
ويؤكد أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في غزة، أنّ الجيش الإسرائيلي يُسهّل سرقة شاحنات المساعدات؛ عبر استهداف عناصر تأمينها، وفرض مسارات غير آمنة لعبورها، تتمركز فيها عصابات السطو والسرقة.
وهذا ما أكده سابقًا تحقيقٌ لـ "الترا فلسطين"، كشف عن سرقة المساعدات في مناطق تمركز قوات الجيش الإسرائيلي.
ويُبين أمجد الشوا لـ"الترا فلسطين"، أن السلطات الإسرائيلية تُقلّص عدد الشاحنات كي تسهل السيطرة عليها من العصابات، ولا يسمح أيضًا سوى بإدخال من 20-40 شاحنة في أفضل الأحوال، وهذا لا يشكّل سوى من 5 إلى 7 في المئة من احتياج القطاع يوميًا من المساعدات.
فرن الطين
صعوبة توفير الخبز من المخابز دفعت العديد من الأسر الفلسطينية إلى اللجوء لأفران الطين التي عاد استخدامها بكثافة لإنتاج الخبز البلدي، سواءً على صعيد العائلات، أو عبر مشاريع إغاثية تنفذها الجمعيات والمبادرات التطوعية المحلية.
ورغم تذبذب أسعاره في السوق تبعًا لسعر الدقيق، إلا أن فرن الطين كان الحل الأنسب في سد جوع المحاصرين في قطاع غزة على مدار أشهر الحرب الطويلة.
تقول السيدة أم يوسف راضي (48 عامًا)، إنها عادت للخَبز على فرن الطين (خبز التنور)، بعد عَقدٍ من تركها للفرن، واعتماد عائلتها على الخبز المُنتج من المخابز الأوتوماتيكية.
وتضيف، أن زوجها اشترى لها الفرن الذي تتراوح أسعاره ما بين 250-300 شيقل (84 دولارًا)، وهو ما سد لهم العجز في توفر الخبز من الأسواق والمخابز، التي غدا الوقوف في طوابيرها "جزءًا من الجحيم" كما تقول.
لكنَّ أم يوسف تواجه العديد من المعضلات في هذه المهمة المنزلية الشاقة، التي بالكاد تقوى عليها، وتقول: "بعد تقدمي في السن، لا أستطيع تحمل دخان النار المنبعثة من الفرن، وأبنائي يجدون صعوبة في توفير الحطب وغلاء أسعاره، فضلًا عن أنني أعجن الدقيق الذي أصابه السوس، لكن لا خيار آخر لدينا".
ورغم بدء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) في توزيع كيس الدقيق الطارئ على الأسر الفلسطينية في وسط القطاع وجنوبه، إلا أن أم يوسف تخشى من أن تضرب المجاعة هذا الصنف الأساسي، و"يعود السكان لطحن الحبوب والأعلاف أسوة بما حصل في شمال القطاع"، أضافت.
مجاعةُ الشمال
ومنذ الأشهر الأولى في حرب الإبادة الجماعية، واجه سكان مدينة غزة وشمال القطاع أزمة حادة في توفير الدقيق، ولجؤوا إلى طحن أعلاف المواشي من الذرة والشعير وغيرها وخبزها.
تستذكر آية شمالي (24 عامًا) من مدينة غزة، الظروف التي ألمت بهم خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 2023، من عدم توفر الدقيق، ولجوئهم لطحن الأعلاف وخبزها.
وتقول آية شمالي: "لم نجد ما نأكله، حتى البدائل كالأرز والمعكرونة لم تتوفر، فاضطررنا حينها لطحن الذرة والصويا رغم غلاء أسعارها، فقد وصل سعر الكيلو غرام منها إلى 120 شيقل (33 دولارًا)، وبعد انقطاعها أيضًا اتجهنا للشعير والأعلاف، رغم مذاقها السيئ ورائحتها الكريهة".
وتؤكد آية شمالي، أن مرحلة إعداد خبز الأعلاف كانت صعبة، "حيث كنا نخلط الشعير والذرة والأعلاف مع البقسماط أملًا في أن تتجانس مكوناته، لكنه كان يخرج مفتتًا، وكنا نعجنه بمياه غير نظيفة، وبصعوبة كنا نأكله، والأطفال كانوا يبكون لعدم قدرتهم على ابتلاعه".
وتوضح آية، أنهم كانوا يجلبون بعض الأخشاب من ركام المنازل المدمرة والكرتون والبلاستيك لإشعال النار، ثم يُعدُّون الخبز على الصاج.
وتتمنى آية شمالي أن لا تتكرر تجربتها في غزة أو مناطق الجنوب؛ لأنها كانت تعاني من الغثيان من آلام في المعدة بسبب أكلها له.
بديلاً للخبز
أما يوسف أبو غالي (23 عامًا) فلجأ إلى الفطائر المخبوزة على الصاج، كأحد البدائل التي تغنيه مؤقتًا عن الوقوف في طوابير المخابز وضياع وقته للحصول على ربطة الخبز.
ويقول يوسف أبو غالي، إنه يستعيض بالفطائر (الرقاق) عن الخبز، رغم أسعارها التي تصل إلى 2.5 شيقل (أقل من دولار بقليل)، "لكن الحصول عليها أسهل بكثير من الحصول على الخبز"، كما يقول.
ومع أخبار محاولات التوصل لوقف إطلاق النار، يأمل يوسف أبو غالي أن تنتهي الأزمة الخانقة التي باتت تؤرق كل فلسطيني في القطاع المحاصر.
المصدر: الترا فلسطين
2024-12-21 || 23:16