حبٌ في زمن الجائحة
"تعرّفتُ على محمد قبل ثلاث سنوات أثناء العُمرة، فوالدتي تعرفُ والدته، كل شيءٍ مرّ بيننا دون تخطيطٍ منا ولا ترتيب، وبعد عودتنا من بيتِ الله قال لي بأن دعاءهُ الأول أمام الكعبةِ كان أن أكون من نصيبه".
فقدت المدينة الفلسطينية ملامحها، تبدّلت مراسم فرحها وأهازيجها وانقلب الحال على غفلةٍ من أمره، كأن دعاءً ما صبّ استجابته على هذه الأرض، لتُحرم من بذخها المبالغ فيهِ من الفرح. فقدنا شيئاً من الترف المصاحب للبهجة بين الحين والآخر، أي بين المناسبات المتفرقة التي نصنعها بمحض إرادتنا، كلنا على هذه الأرض نعرف كيف نعبر عن حُسن أقدارنا.
واكبنا تقلّباتنا في الاستقرار، تعثرنا بالحظ السيء في كل مرّة رغم أن قشرتنا الخارجية ثابتة، فلا نُظهر ما أخفت في باطنها من نكباتٍ متتالية، ربما خوفنا المستمر من عرقلة سير الفرح كان لهُ رد فعلٍ معاكس حتى صنعنا الفرح بأيدينا.
نحن لم نختر الحب بمحض إرادتنا، هو دائماً يختارنا حتى أنه يفرض سيطرته لتتحكّم بنهجِ قراراتنا، فما كنا نرفضه، نحن الآن نسلم رقابنا له متبسّمين معلنين الاستسلام، فلا يُتيح لنا الفرصة لتأجيل محافله أو اختيار الترتيبات على أقل تقدير. الحب ضعفُنا الممنهَج، سلامنا المحتوم، خلاصُنا الوحيد في غيضٍ من فيض الأقدار وتخبّطِ النصيب.
ردّدت عروسُ القصة على مسامعي جملةً فحواها "أولويّتنا ما نترك الظروف تحكُمنا"، كأنها تُعلن سقوط كل القوالب التي خلقناها بأيدينا من حفلٍ ضخم مُزيّن بالورد الطبيعي، الذي يُحوّل المكان لحقيقةِ أفراحنا، وفستانٍ أبيض يشدّ طرف الناظرينَ إليه مرددين على ألسنتهم "ألا بسم اللهِ الرحمن الرحيم"، وآخرين "يشدُّ عليهم شيطانهم" ليمنعهم من ذكر اسم الله، وموكبٍ لا نهايةَ له يصدح بصوتِ الهتافاتِ الممزوجةِ بالضحكاتِ العالية، وواحدٍ من أول الموكب يتراقصُ مشدوداً بصوتِ فرقةٍ تبتهلُ بغُناها مرددين "يا سباع البر حومي، حومي حومي ولا تعومي، واشربي من بير زمزم، زمزم عليه السلام، ويا سلام اضرب سلام".
تسردُ عروس جائحة كورونا دانية يونس قصتها بعد أن ألغت حفل زفافها واكتفت بواحدٍ عائليٍ صغير لتخرج فيه من بيتِ أبيها لبيتِ زوجها، مرتديةً ثوباً فلسطينياً ناصع البياض مُطرّزاً باللون الأحمر، بوجهٍ ضاحكٍ بسّام يُسبّح للذي خلقه من شدّة جماله.
تقول يونس: "تعرّفتُ على محمد قبل ثلاث سنوات أثناء العُمرة، فوالدتي تعرفُ والدته، كل شيءٍ مرّ بيننا دون تخطيطٍ منا ولا ترتيب، وبعد عودتنا من بيتِ الله قال لي بأن دعاءهُ الأول أمام الكعبةِ كان أن أكون من نصيبه، واستجاب الله لدعوتهِ بعد عامٍ كامل، حيث جاء وعائلته لخطبتي وقُرئت الفاتحة بسرعةٍ لم نكن نتوقعها".
تُكمل يونس: "مررنا بظروفٍ صعبة لم تكن في البالِ ولا الحُسبان بعد قراءة الفاتحة مما أجّل علينا كتب الكتاب خمسين يوماً، وبعدها سارت الأمور بحمدٍ من الله ومشيئته وكُتب الكتاب عام 2019 وأردنا الزواج خلاله، إلا أن بيتنا لم يكن جاهزاً، فأجلنا موعد الزفاف حتى أواخر نيسان من العام الجاري، لكن حتميّة الأقدار عادت لتقف في وجهنا من جديد؛ أُصيب جدّ زوجي بمرضٍ خبيث وهذا ما دفعنا لتقديم موعد الزفاف، وقبل الموعد المُعلن بعشرة أيام توفيَ الجد".
ظل الموعد معلقاً لا نعرفُ متى سيقف القدرُ صفاً إلى جانبنا، بين شدٍ للأعصاب وخوفٍ من الأيامِ المقبلة، وأملٍ باللهِ بأن كل تأجيلٍ يحمل معه الخير، فهذا وعدُ الله، وبفيضٍ من الله شددنا على أيدينا مُستبشرينَ بما هو آتٍ.
تعليقاتٌ متشابكةٌ من الناس، تحملُ في طياتها شيئاً من المواساة المُحملةِ بالشفقةِ المُرهقة، أصواتٌ تترددُ على مسامعي تُشبعني باليأس ولا طاقة لي لحملها: "الله يعينكم"، "لإيمتى التأجيل!"، "صرلكم زمان خاطبين"، "مش حلوة الخطبة الطويلة"، حتى ضاق صدري ونفد صبري.
محاولة جديدة لتحديد موعد الزفاف والثبات عليه، فكرنا كثيراً حتى حددنا الموعد في العاشر من الشهر الجاري. مساء الخامس من آذار أُعلنت حالة الطوارئ في فلسطين كإجراءٍ احترازيٍ لحصر تفشي فايروس كورونا المستجد القادم من الصين، والذي قلب كياننا جميعاً، وعطّل علينا مخططاتنا مُعكّراً صفو أيامنا. لم نكن نتوقع أننا سنتزوج بهذه الطريقة دون المراسم المتعارف عليها بين الناس، ولم يكن هذا القرار ضمن خياراتنا بل على العكس تماماً، فكانت ترتيبات الأهل والأصدقاء تحول بيننا وبين ما نُفكر به أنا ومحمد.
كان الخوف يقف أمامي مترصداً، والانتظارُ الطويل يُحيلني نحو الاستسلام، بين خوفٍ يترصد واستسلام يفتحُ ذراعيه كأنني فريستهُ المؤجلة قررت حسم الأمر والزواج.
توضح يونس في محاولة لإقناع والديها اللذين عزّت عليهما أن تخرج ابنتهم من بيتهم عكس ما خُطّط له كباقي بناتِ فرحتها، "الفرحة فرحتنا إحنا الإتنين، وإحنا مبسوطين بهاد القرار، وإحنا ما بدنا عرس، ما بدنا معازيم، إحنا لقينا سعادتنا، وسعادتنا نكون مع بعض". بهذه الكلمات تختمُ لعبة الأقدار، تُسقطُ عن ظهرها ثقل الليالي الطويلة من الانتظار.
في صباح الخامس عشر من نيسان استيقظت أُجهّز نفسي لليوم المُنتظر، للفرحةِ العارمة، للقدر المحسوم، إنه الصباحُ الأخير في بيتٍ وُلدتُ وخطوتُ أول خطواتي فيه، راهقتُ وكبرتُ، ضحكتُ وبكيتُ، فشلتُ ونجحت، وقفتُ وسقطت، وخطف قلبي حبٌ أحصدُ اليوم ثمره.
شدّني الحنين قبل مغادرته، شعرتُ بالجدرانِ تحتفلُ بي أو تنتحِب، زاوية سقوط الشمس في غرفتي ساعات الصباح الأولى تودّعني، كل الأيام تُعيد جدولتها لتظهر أمامي عفويةً تستفزّ الدمع في عيني، ليست دموع الخوف ولا دموع الحزن، إنها دموع النصيب.
كان اليوم جميلاً للحد الذي خرج عن حيّز توقعاتنا، رأينا الفرحة في عيون أقرب المقربين لنا، حتى أبي الذي لم يكن راضياً إلى حدٍ ما عن قرارنا وقف جانبي مُستبشراً هامساً في أذني. "كل شيء جميل، هادئ ومنظّم"، واستطعنا أن نوثق فرحتنا لترسخ في أذهاننا ومن حولنا، كانت التفاصيل تكادُ تنطق بجمالها والحب يرسم الطريق أمامنا. ستكون لنا قصة نرويها على مسامع أولادنا، سنقول لهم بأننا تزوجنا في زمن الجائحة.
الكاتبة: بتول كوسا
2020-05-02 || 00:45