شهر حزيران/ يونيو من كل عام، بالإضافة إلى أشهر أخرى، تبدأ أنامل عصامية بطبخ حبات من البندورة الناضجة، بلونها الأحمر البراق وبأحجامها المختلفة، لتخرج بصناعة من الصناعات الغذائية الريفية التي لا تزال قائمة كواحدة من الطقوس والموروث الشعبي لمحافظة قلقيلية، تصنع يدوياً، وتتميز بنكهة خاصة تكتسبه من دخان النار التي تطهى على مواقده لساعات طويلة.
الحاجة عزية محمد أحمد في العقد السادس من عمرها تواظب منذ خمسة وعشرين عاماً على تحضير وصناعة "رب أو طبيخ البندورة"، من الدونم الزراعي المملوك لعائلتها، بذات الطريقة التقليدية التي جبلت عليها وتعلمتها في منزلها بقرية كفر لاقف شرق مدينة قلقيلية.
وتقول: "مع ساعات الصباح الأولى، يتم تنظيف حبات البندورة التي تم تنقيتها للطبيخ، بحيث يشترط أن تكون ناضجة، ثم تعصر يدوياً بالأيدي أو بواسطة آلة كهربائية، وتصفى لفرز القشرة والبذور، وتوضع كمية مناسبة من الملح عليها، وبعد ذلك يوضع العصير المنتج، في قدور كبيرة، وتطهى على نار الحطب لساعات طويلة حسب الكمية، فقد تصل إلى 12 ساعة، مع المراقبة المتواصلة، وفي آخر ساعة يتم تحريكها بواسطة مغرفة كبيرة من الخشب، وتخفف عليها النار كلما زاد تركيزها وكثافتها".
وتضيف: "وبعدما تشعر أنها أصبحت جامدة، تكون قد نضجت، وننتظر إلى أن تبرد وتعبأ في عبوات زجاجية (مرطبانات)، ويوضع على سطح الرب قليل من الزيت لحمايته من العفن، وتخزن الكمية للاستخدام على مدار العام".
وتتابع: "عائلتي تعشق طبيخ البندورة، فهي طبق رئيسي يزين موائد الطعام ونعتبره موروثاً شعبياً نحرص كل عام على إعداده وسط أجواء مليئة بالخير والعطاء والمحبة".

ويدخل طبيخ البندورة بشكل واسع في تحضير العديد من أصناف الطعام اللذيذة، مثل الفاصوليا والمفتول والمعكرونة والبيتزا وغيرها، حيث إنّ إضافته يضفي عليها طعماً مميزاً، بالإضافة إلى قيمته الغذائية المرتفعة.
ويشير رئيس قسم الخضار في مديرية زراعة قلقيلية محمد أبو صالح إلى أن قلقيلية تعتمد على الزراعة بالدرجة الأولى وتعتبر مصدر دخل للكثير من العائلات، فهم يزرعون البندورة بصورة واسعة باعتبارها عنصراً مهماً من عناصر الأكل والطبخ في كل بيت، ولا غنى عنها.
ويضيف: "البندورة من نباتات المناطق الحارة وتحتاج نسبياً إلى موسم نمو طويل لتعطي محصولاً مجزياً، وتكون زراعتها في أغسطس/ آب ونهايتها في حزيران/ يونيو، معنى ذلك أننا في نهاية الموسم، ويتم التخلص من نباته بقطف جل ثمارها الأحمر والأخضر، وتعبئتها بصناديق، وأما بيعها، أو الانتظار إلى حين نضجها بالكامل وطهيها".
وسبب آخر لانتشار طبيخ البندورة في هذا الوقت، مناخ قلقيلية المناسب لهذا الصنف شبه الاستوائي، فارتفاع درجات الحرارة يساهم في نضج ثماره بسرعة عالية، وبالتالي زيادة كمية إنتاجه وعرضه بالأسواق "بحسب أبو صالح".
ويشير أن المساحة المزروعة بالبندورة في محافظة قلقيلية تبلغ "500 دونم"، بإنتاجية 18-20 طناً لكل دونم.
بدون مواد حافظةويعتبر مشروع إنتاج رُب البندورة من المشاريع الناجحة نظراً لزيادة الطلب عليها واستخدامها، ولكونه يهدف إلى تشغيل أيدي عاملة يخدمها اقتصادياً واجتماعياً، فالعديد من السيدات يجنين قوت يومهن وأطفالهن من طبيخ البندورة، فيقمن بشراء عدد من صناديق البندورة بثمن زهيد وطبخها وبيعها، ويصل سعر الكيلو إلى 40 شيقلا.
وفي فترة الربيع والصيف تغزو البندورة أسواق مدينة قلقيلية، ويقبل المواطنون على شرائها بكثرة، فلا يكاد يمر أسبوع من دون طلبية لعائلة لطبخ البندورة، كما يقول أيمن جعيدي صاحب محل خضرة في قلقيلية.
ويتابع: في أوقات نجد ثمن البندورة مرتفع، ويصل الصندوق إلى 120 شيقلاً، ويطلق عليها في حينها الذهب الأحمر، وفي أوقات أخرى تصبح زهيدة الثمن، ويصل ثمن الصندوق إلى 8 شواقل كما اليوم، ما يدفع الكثيرين لشرائها وتحويلها إلى رب بندورة".
وتشتري السيدات عادة طبيخ البندورة من المحال التجارية، لكن غالباً ما تحتوي على مواد حافظة، وربما لا تراعى شروط التصنيع السليم أثناء إنتاجه، لكن بصناعته وشرائه محلياً، تضمن السيدة حصولها على منتج خالٍ من المواد الحافظة وبمواصفات وجودة عالية وبسعر مناسب.
الكاتبة: ميساء عمر/ وفا