قانون نقل وزراعة الأعضاء.. أمل جديد للمرضى
الطواقم الطبية الفلسطينية تعمل بجدية على نشر ثقافة زراعة ونقل الأعضاء. التقرير التالي يضعك في آخر ما تم التوصل إليه في مجال الزراعة والنقل في فلسطين.
"على موعد مع الحياة" عنوان عريض لقانون "زراعة ونقل الأعضاء"، الذي أقر مؤخراً في فلسطين، ونشر في الجريدة الرسمية قبل شهرين تقريباً، وهو متاح للعمل به أسوة بدول الجوار.
هذا القانون سيسهم في إنقاذ حياة كثيرين من المرضى، الذين يحتاجون لزرع أعضاء، بالاستفادة من المتوفين سريرياً الذين يمكن أن يجري نقل أعضاء منهم إلى أشخاص مرضى بحاجة إليها.
هذه الحياة السليمة ما يزال يحلم بها كثير من المرضى في فلسطين، وبانتظار مزيد من الاقتناع والتطور في فهم القانون لدى الجمهور، وتحقيق قناعة تقوم على ضرورة التبرع بالأعضاء من الأشخاص المتوفين من أجل إنقاذ أرواح أشخاص آخرين.
وفي فلسطين ما تزال ثقافة التبرع بالأعضاء غير منتشرة، إذ ينصح الأطباء ورجال الدين بضرورة تشجيع هذه العمليات التي تسمح بها الشريعة الإسلامية في حال توفر الإمكانية لزراعة الأعضاء وتنظيم العملية بقانون.
الأسبوع الفائت أسهم الأطباء في مجمع فلسطين الطبي بإنقاذ حياة خمسة مرضى بينهم أطفال يعانون من مرض الكلى، بعد زراعة كلى جديدة لهم. أولئك المرضى عانوا لسنوات طويلة من صعوبة غسيل الكلى، وهم اليوم ينضمون إلى الأصحاء.
رأي الإسلام
مفتي القدس والديار الفلسطينية محمد حسين، يؤكد على جواز نقل وزراعة الأعضاء من أشخاص متوفين أو من أشخاص أحياء لمرضى منأجل إنقاذ حياتهم وفقا لشروط وأحكام خاصة.
ويقول محمد حسين في فتوى صادرة عنه: "إن للمسألة وجهين: الأول يتعلق بالتبرع بعضو في حياة المتبرع، فلا يجوز في هذه الحالة التبرع بأعضاء تتوقف الحياة عليها، كالقلب والكبد والرئتين، أو تتعطل بسببه وظيفة رئيسية من وظائف الجسم، أو يترتب عليه تشويه في خلق الإنسان، لأن الضرر لا يزال بمثله، وكذلك لا يجوز نقل الأعضاء؛ التي تحمل الخصائص أو الشيفرة الوراثية خوفا من اختلاط الأنساب، أما العضو الذي لا يكمن في نقله ضرر على صاحبه المنقول منه، وتحققت المصلحة للمنقول إليه، فلا حرج في ذلك، بل له في ذلك الأجر والثواب" ويتفق ذلك مع قانون تنظيم زراعة ونقل الأعضاء.
ويضيف أن الوجه الثاني هو إيجاز نقل الأعضاء المذكورة من الميت إلى الحي،" ولكن بشروط محددة ورد ذكرها في قرار مجلس الإفتاء الأعلى رقم:1/106 بتاريخ 03.06.2013، فإذا توافرت تلك الشروط، فقد اتفق الفقهاء والمجامع الفقهية على جواز ذلك، لأنه يعد من باب تفريج الكرب والهم عن الغير والتعاون على البر، وفي كلا الحالتين يشترط في المتبرّع له أن يكون معصوم الدم".
ويوضح محمد حسين أنه يمكن للميت أن يتبرع بأعضائه قبل وفاته مع مراعاة مشاعر عائلته ومراعاة كرامة الميت، بحيث لا تصل المسألة إلى تشويه الجثة، "وهذا وارد في فتاوى مجلس الإفتاء الأعلى، ونحن على التواصل مع العاملين في المجال الطبي في هذا السياق".
ويقول الشيخ حسين: "في حال الحياة يجوز للإنسان أن يتبرع بشكل لا يضر بحياته، فالتبرع يصبح حالة من حالات الانتحار في حال تبرع بعضو يؤثر على حياته".
من هو الميّت؟
ويؤكد قاضي القضاة ومستشار الرئيس محمود الهباش على أن التبرع بالأعضاء البشرية حلال وجائز لكن بضوابط، وأن الشريعة الإسلامية تدور في مجملها على تحقيق مصالح العباد.
وقال الهباش في حديث لبرنامج "زراعة الأعضاء" الذي يبث عبر تلفزيون فلسطين، إنه في حالة التبرع من قبل إنسان متوفى سريريا ودماغيا، "الفقهاء مختلفون هنا في معنى الوفاة الشرعية، أي من هو المتوفى شرعاً"، وأوضح أن من يفقد الإحساس والقدرة على النفس حتى ولو كان مزوداً بآلات طبية وخلايا حية فهو لا يسمى متوفى. وأضاف: "توقف الدماغ عن العمل لا يحكم بموت من ناحية شرعية".
وشرح الهباش: "المتوفى حقيقة حسب الرأي الطبي والفقهي، تُبقى بعض أعضائه حية لفترة معينة، هنا يجوز نقل أعضائه لمريض يستشفي لكن بضوابط، الأول؛ أن يكون التبرع إما بوصية من المتوفى أو بموافقة الأولياء أو الورثة أو الحكومة أو صاحب الولاية العامة في حال كان المتوفى مجهول الهوية، وثانيا؛ هذا الضابط متعلق بالمريض الذي سيتم التبرع له، فإذا كان التبرع بشيء تجميلي فهو غير جائز كون الحياة غير مهددة ومستمرة، الضابط الثالث؛ أن يكون العضو المتبرع به صالحاً، وأن لا يدفع المتبرع له مقابل العضو، وهو غير جائز مطلقاً".
وأكد الهباش أن الحفاظ على النفس والحفاظ الحياة، مقصد أساس من مقاصد الشريعة الاسلامية، مشيراً إلى قول الفقهاء حول كون أحكام الشريعة الإسلامية تدور على خمس قواعد تسمى الضرورات الخمس، وهي؛ حفظ الدين بكل أحكامه وعقائده وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ المال وحفظ النوع الإنساني.
وأكد الهباش على ضرورة أن يكون الفقهاء الحاليين على قدر احتياجات العصر الحالي، ومراعاة تغير وتبدل الواقع، مضيفاً: "نحن بحاجة لفقهاء يعالجون متغيرات الحياة ويعطون كل متغير الحكم الخاص به والذي ينطبق عليه".
وأشار الهباش إلى الآية القرآنية:"مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا"، مشدداً على ضرورة فهم الأمور بطريقة عصرية لا تخالف القرآن. وأوضح أن "العملية الجراحية ومنح الدواء والطعام ونقل الأعضاء من أجل الحياة، حياة".
ثقة وإمكانيات
من جانبه، يقول أخصائي زراعة الكلى في مجمع فلسطين الطبي عبد الله الخطيب، لوكالة وفا: "إن الإمكانية الطبية لزراعة الأعضاء في فلسطين متوفرة، وإن هذا المشروع قد بدأ بالفعل ويوجد مركز زراعة الكلى في فلسطين هو أول عضو يجري نقله وزراعته حاليا، وقد توفرت هذه الإمكانية منذ العام 2010 وهي في تطور متسارع، فأعداد المرضى الذين يجري لهم زراعة كلى تزداد بشكل كبير، ونحن نجري في العام الواحد حوالي 60 حالة زراعة كلى".
ويضيف أنه تم في مجمع فلسطين الطبي خلال سبع سنوات زراعة 300 كلية، أنقذت حياة أولئك المرضى. ويشير إلى صعوبات واجهها الطاقم الطبي تتمثل في عدم وجود ثقة من قبل المواطنين بالطواقم الطبية المحلية، "سرعان ما تبددت وتحولت إلى ثقة كبيرة، وإقبال كبير لإجراء عمليات زراعة الكلى".
ويشير الخطيب إلى أن نجاح عمليات زراعة الكلى في فلسطين أصبح كبير اًو يوزاي الدول المتقدمة بل يفوقها في بعض الأحيان. ويتابع: "كل ذلك لم يكن لينجح دون دعم القيادة السياسية، ووزارة الصحة وعلى رأسها الوزير جواد عواد، فالزراعة بحاجة لأدوية ثمينة جدا إضافة لدعم لوجستي كبير".
ويوضح الخطيب أن الطواقم المحلية وصلت إلى الاستقلال بعملها في نقل وزراعة الأعضاء، بالتعاون مع جراحين من مستشفيات أردنية، والانسجام والتواصل معهم كان للاستفادة من خبرتهم الجراحية العالية؛ التي جرى نقلها للفريق المحلي الذي يعمل تحت إشرافهم حاليا.
ويقول الخطيب: "إن طموحنا أن نتقدم خطوة للأمام بعمل زراعة أعضاء من الأشخاص المتوفين دماغيا، والطاقم الطبي موجود لتنفيذ هذه الزراعة والأدوية ومتوفرة مع توفر المكان، لكن المشكلة هي ثقافة شعبنا بعدم التبرع بالأعضاء، فنحن بحاجة لإقناع محيط المتوفى أو الأشخاص الأصحاء بضرورة التوصية بالتبرع بأعضائهم بعد الموت أو في حالة الوفاة السريرية."
ويضيف: "علينا أن نقنع الجمهور بأن الوفاة هي وفاة الدماغ وليست وفاة الأجهزة الأخرى، فعلميا ما دام الدماغ توفي فلا عودة له للحياة، وإثبات وفاة الدماغ تحتاج إلى لجنة طبية، وإذا جرى إثبات ذلك يمكن التبرع بأعضاء المتوفى".
قوانين ناظمة
وتقدم رئيسة وحدة الشؤون القانونية في وزارة الصحة المستشارة القانونية أروى التميمي، تفاصيل القانون؛ الذي يهدف إلى تنظيم إجراء عمليات نقل وحفظ وزراعة الأعضاء البشرية، ومنع ومكافحة التجارة بها في فلسطين.
وتقول: "إن القانون ينص على تشكيل لجنة عليا تسمى (اللجنة العليا لزراعة الأعضاء البشرية)، وتكون لها الشخصية الاعتبارية، وتتبع رئيس الوزراء ويرأسها وزير الصحة، وتتولى إدارة وتنظيم عمليات وزرع الأعضاء وأجزائها والأنسجة والإشراف والرقابة، وفقاً لأحكام هذا القانون ولائحته التنفيذية والقرارات المنفذة له".
وتضيف: "اللجنة تعد قوائم بأسماء المرضى ذوي الحاجة للزرع من جسد إنسان ميت بحسب أسبقية القيد في السجل المعد لذلك، ولا يجوز تعديل هذه الأسبقية إلا إذا كان المريض في حاجة ماسة وعاجلة لعمليات الزرع، وفقاً للقواعد الطبية والإجراءات؛ التي تحددها اللجنة العليا ولا تسري هذه القوائم على الزرع فيما بين الأحياء".
وتوضح التميمي أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال بحسب القانون، تخطي الترتيب الذي أوردته القوائم، بسبب عدم قدرة المريض على دفع نفقات عمليات الزرع.
تقليل الحوالات للخارج
وينص القانون على موافقة اللجنة على استئصال العضو من المانح بتوفر عدة شروط؛ أن المانح الذي على قيد الحياة كامل الأهلية وصالح طبياً للتبرع، ولاتوجد أية خطورة عليه حالية أو مستقبلية في حال استئصال العضو، وتقديم المانح موافقة كتابية بإرادته الحرة وليس نتيجة ضغوطات اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها، وأن يقدم المانح والمستقبل موافقتهما المستنيرة على الإجراءات الطبية المرتبطة باستئصال الأعضاء والزرع، وأن يكون التبرع من دون مقابل مادي".
وتشير التميمي إلى أن تحويل الحالات إلى الخارج لزراعة الأعضاء يكلف وزارة الصحة ملايين الدولارات، وبعد هذا القانون سيسمح بزراعتها في فلسطين وبتكلفة أقل.
وتؤكد أن القانون يخفّف عن المواطن، الذي يجري دعمه ماليا ومعنويا في فلسطين، "واللجنة المسؤولة عن عملية الزراعة ستكون على مستوى عالٍ جدا جدا".
من جانبه، يقول وكيل وزارة العدل وممثل الوزارة في لجنة إعداد قانون زراعة الأعضاء محمد أبو سندس: "إن القانون متطور وتم الإطلاع على كافة التجارب في دول عربية وأجنبية، بهدف الوصول إلى قانون عصري يخدم أبناء الشعب الفلسطيني".
ودعا الشعب الفلسطيني إلى الاستفادة من القانون من أجل إنقاذ حياة المرضى.
آراء مواطنين
تقول الإعلامية نور عودة: "إن التبرع بالأعضاء عمل نبيل جدا وينقذ حياة الآلاف، لكن بحاجة لقانون يحكم العملية ويضمن أنها طوعية ودون مقابل مادي ويمنع الاستغلال أو الترهيب وغيرها من الإشكاليات".
ويقول الشاب محمد الشعيبي: "نحن بحاجة لتوعية بشكل أكبر في الموضوع من أجل تشجيع التبرع، فنحن بحاجة لتطوير هذه العملية بشكل أكبر من الشعوب الأخرى، لأننا شعب واقع تحت الاحتلال وبحاجة لزراعة كثير من الأعضاء التي يتسبب الاحتلال في تلفها".
من جانبه، يقول المحاضر الجامعي سعيد أبو معلا: "أدعم وبشدة مسألة التبرع بالأعضاء، فهي فكرة ملهمة أن تكون سببا بحياة آخرين بعد مشيئة الله، وأن تعطي وأنت في عز رحيلك ما ينفع الناس في الأرض، والجسد بصفته ملكا لله نستعين به في جعل تبرعنا بالأعضاء منحة وإكراما لإنسانية الإنسان. أعتقد أن غياب هذا الأمر فلسطينياً وعربياً يرتبط بحبنا المرضي لذاتنا".
من جانبه، يقول المصور الصحفي حافظ أبو صبرة: "في حال كنت قادراً على التبرع بأحد أعضائي وأنا على قيد الحياة بشكل يمكن من خلاله إنقاذ حياة شخص، ولا يؤثر على ممارستي لحياتي بشكل طبيعي، كالتبرع بكلية مثلًا أقبل بذلك، برأيي يجب أن يتم عمل حملات تشجع على هذه الأفعال والممارسات".
من جانبها، تقول الشابة نبال فريتخ: "أنا مع التبرع بالأعضاء لصالح المرضى الذين يعانون موتاً سريرياً"، وتضيف: "لا يوجد أجمل من إنسان يخلق من الموت حياة لغيره، ويساعد غيره بأن يعيش حياة طبيعية".
الكاتب: غيث كسواني/وفا
المحررة: سارة أبو الرب
2017-08-07 || 15:31