في المقعد الأخير ودّعت يافا
رجاء عبد الله تتحدث عن مدينتها، التي هجّر أجدادها منها في النّصّ الأدبي التالي. يرحب دوز بنشر مشاركاتكم الأدبية والفنية.
في المقعد الأخير.. في آخر حجرةٍ من قلبي.. في آخر تعويذةٍ تُلقى على مَسمعي.. في آخر نظرةٍ اَسترقُها لبيتي المتروكِ في يافا.. في آخر منعطفٍ من الذاكرةِ، هُجِرتُ من وطني..
جلستُ في مقعدِ الحافلةِ الأخير خائرةَ القوى.. مُشتَتة الأفكار.. مهجورةَ الجسد.. معطوبةَ القلب.. وعينيّ تحدقان ببيتيَ الخشبيَ الصغير وزُرقةِ سماء يافا وأرض يافا وبيَاراتها وشمسها التي تُداعبُ وجنتي في كل صباح.. وبحرِ يافا، الذي يُرسلُ خيوطَ الأملِ إلى كل تفصيلةٍ من جسدي الهزيل. بيدي مفتاحُ كوخي المُهتَرئ وكوفيَةُ أخي حسام، الذي استُشهدَ في غارةٍ استهدفته في كيانه، لتنهي حضورهُ الفدائيَ في ساحة المطلوبين.. فَحُكِم علينا بالنَفي خارجَ حدودِ يافا وأرض يافا وبيارات يافا، وجمال كلِ تفصيلةٍ في يافا.
يا الله! هل يستطيع الإنسان أن يُنفى خارجَ حدودِ جسده؟! هل يستطيعُ أن يعيشَ بحُلمٍ مَسروق وأملٍ مفقود وهُويَةِِ مسلوبة وكرامةٍ مُغتصبة وذاكرةٍ مشتركةٍ مع يافا الضائعة، المُختبِئةِ خلف جبال ذاكرته؟!
يا الله! هل يَستطيعُ أن يعيش بِقلبٍ مَعطوب، وخيمةٍ زُرِعت في دَهاليزِ اُمنياته، لِتَقتُلها في رَيعانِ شبابها؟!
ها هي تُوشِكُ الحافلةُ على الرَحيل ومعها تتشابكُ الذكرياتُ وتُعيدُ نفسها أمامي كأنَها كانت بالأمس.. كأنها تُودعُني للمرة الأخيرة، وتُلقي السلامَ على (فيحاء) المُتمردة الثائرة، فحقاً لا أعلم ما الشعورُ الذي تَملَكني. كمٌ هائلٌ من المشاعرِ المُتزاحمةِ في قلبي تجمَدتْ في مَكانِها واكتَفيتُ بالبكاءِ والنَحيب على روحي التي قُتِلتْ أمامَ ناظِرَي، وعلى حُلُمي الذي انتُزِعَ من عُمقِ جراحي، التي ناضَلتُ لأجلها. بُكائي يَعلو وصُراخي يَرتفع ولا أُعيرُ بالاً لمن حولي.
مع كلِ متر تَقطعُه الحافلة أَفقدُ شيئاً آخرَ من هويتي، اَفقدُ جُزءاً آخرَ من جسدي، أفقدُ حُلماً آخر رَسمتُه، وَخضَبته بِتُرابِ يافا، أفقدُ كنيتي المُستمدة من بحر يافا.
يا الله، هم لم يقتُلوني بِرصاصةٍ لتشرب يافا دِمائي، لم يُوجِهوا الزِناد على رأسي، بل انتزَعوا كل عضوٍ في جسدي بِشكلٍ تدريجي، انتَزَعوا ذاكَ الشريط من دهاليزَ وغرفٍ كثيرة من الذاكرة، أَعادوا هَيكلةَ روحي كيفما يَشاؤون، عَطَبوا طُفولَتي، وَوطني.
أوَ ليسَ عاقبةُ ذلكَ أكبرُ بكثيرٍ يا الله؟!
فكيفَ لي أن أعيشَ بجسدِِ فارغ؟ كيفَ لي أن أُعيدَ ترميمَ روحي؟!
في المقعدِ الأخير، كان الرابطُ الفاصِلُ بيني وبين يافا.. الرابطُ الفاصل بيني وبين الحياة. في المقعدِ الأخير وَدَعتُ يافا للمرةِ الأخيرة.
في المقعدِ الأخير قُتِلَتْ فَيحاء.
الكاتبة: رجاء عبد الله
المحررة: سارة أبو الرب
*هذا النّصّ لا يعبّر بالضّرورة عن وجهة نظر دوز
2017-08-06 || 21:11