بلدية نابلس: جدول توزيع المياه
أسعار صرف العملات
الطقس: ارتفاع تدريجي على درجات الحرارة
واشنطن تعلن قصف أهداف إيرانية قرب مضيق هرمز
الضفة: إحراق أراض واعتقال 10 فلسطينيين
ترامب: هجمات إيران على السفن انتهاك أحمق لوقف إطلاق النار
ترامب يهدد دول أوروبا برسوم جمركية بنسبة 100% لهذا السبب
"معاريف": نتنياهو جعل إسرائيل بعزلة والعالم يحتقرها وواشنطن تمقتها
إجلاء 2500 بحار و115 سفينة من مضيق هرمز منذ الثلاثاء
إسرائيل تختطف 6 مزارعين من عين عرب غداة إحراق منازلها
توقيع اتفاق إطاري بين إسرائيل ولبنان
وزيرة النقل الإسرائيلية تحذر من إحياء قطار الحجاز
فيديو.. ارتقاء 3 مواطنين إثر قصف مركبة وسط القطاع
فيديو.. صاروخ "سبيس إكس" يقترب من اصطدام تاريخي بسطح القمر
إعلام إيراني: طهران وواشنطن أسستا خط اتصال عسكري بشأن هرمز
إيران تحذر من "الترتيبات الغامضة" في مضيق هرمز
إسرائيليون يغلقون طرقاً في بني براك للمطالبة بتجنيد الحريديم
الرئيس يحدد أولويات المرحلة الحالية
مستوطنون يحرقون 10 دونمات مزروعة بأشجار زيتون في برقا
للأسف ما عدت أتذكر أسماء البلدات التي كنا نعبرها في الطريق بالسيارة من بغداد إلى الموصل. وما عدت أتذكر إن كنا نأخذ الاستراحة لأكل الكباب وشرب الشاي العراقي المميز في كركوك أم في بيجي أم في غيرها. حاولت استعادة الأسماء عبر غوغل لأفاجأ بأن الطريق الذي كان يستغرق خمس ساعات كحد أقصى قد أصبح عشرين ساعة بعد أن تغيرت وجهاته تبعا للأحوال الأمنية التي فرضتها داعش. ولكنني لا أنسى ولن أنسى الموصل وكل من عرفته في الموصل. كنت أحب زيارتها كثيرا، فقبل الوصول إليها تسيطر عليك خضرة المراعي الشاسعة وصولا إلى الأفق، وتجبرك على ترك كل هموم ومشاكل ومتاعب بغداد خلفك، وفيها تلتقي بأناس صقلتهم حضارات متعاقبة وحملوا على أكتافهم وداخل رؤوسهم دروس التاريخ وحكمة الماضي، فباتوا مثالا للتعايش ولحسن التنظيم والتدبير والجدية والانضباط.
ولقد فرضت هذه الأجواء نفسها حتى على طلبة فلسطين الدارسين في جامعة الموصل الشهيرة، فكانوا الأكثر تميزا وثقافة وقبولا للآخر. أسماء عديدة تلج إلى ذاكرتي الآن، بعضها باتت بلا وجوه ووجوه أخرى أمست بلا أسماء.
كل زياراتي لهذه المدينة العظيمة اتسمت براحة البال وصفاء النفس. أذكر ذلك جيدا ولا أنساه. أذكر جلسات المقاهي صباحا والإفطار المكون من لبنة وزيتون وخبز سمون ساخن. مساكين كثر لا يعرفون طعم السمون الساخن، ولم يتذقوا اللحمة بعجين، ولم يزوروا ملك الكبدة ولا سلطان الكباب ولا أمير الباجة. مساكين كثر لم يتجولوا في شارع النجفي لشراء كتاب أو تذوق كرزات الموصل (التسالي) أو حمام العليل وسنجار وتلكيف وعينكاوا وبعشيقة، التي لا يتجاوز عدد سكانها الـ70 ألفا رغم أنهم ينتمون لست ثقافات مختلفة، يشربون كلهم ويصنعون عرق هذه البلدة المشهور بجودته، وهي جودة مستمدة من جودة مياهها وطيب رائحة الرزنايج، الذي يضاف للعرق بعد تقطيره (نبات شبيه بالشومر واليانسون ).
تستورد التمور التي يصنع منها هذا العرق من الجنوب الشيعي لتصنعة أيادي المسيحيين والأزايدة، ليصدر بعد ذلك فيشربه العراقيون سنة وشيعة ومن مختلف الملل والنحل، ويفضلونه على عرق أبو نواس بزجاجته الخضراء ذات العنق الطويل أو الزحلاوي أو المستكياوي أو العصرية أو المسيّح (بتشديد الياء).
مساكين كثر لم يجالسوا تركمانيا أو كرديا أو مندائيا يتطهر بالماء صبح مساء أو أيزيديا نجا من 72 مذبحة منظمة عبر التاريخ وما زال يصرح بأن الأيزيدية لا يعبدون الشيطان بل أن لا وجود للشيطان في ديانتهم، وأنهم يعتبرون الشر من صنع الإنسان، ومع ذلك يمكن للبشر أن يبقوا أخيارا تماما مثل طاووس ملك، الذي نزل إلى الأرض طوعا -بعكس الشيطان- فتلمس الألم والمعاناة حتى بكى ووصلت دموعه نار جهنم فأطفأها، أو سريانيا أو شيوعيا عراقيا (للشيوعي العراقي نكهة خاصة لا يعرفها حتى لينين).
أغلب الظن أن داعش غيرت كل هذا وأعدمت روح المدينة وخنقت موسيقى إسحق وزرياب وألحان الملّا عثمان ومقامات السيد أحمد الموصلي وترانيم الأخوين جميل ومنير بشير، ونسفت مكتبات شارع النجفي تماما كما فعلت مع جامع ومرقد النبي يونس قبل عامين. تاريخ عريق بكاه مسبقا قارئ المقام العراقي أحمد عبد القادر الموصلي وهو يغني موشح "للعاشق في الهوى دلائل" من كلمات عبد الله راقم أفندي وألحان أستاذه الملّا عثمان الموصلي بداية القرن الماضي.
للعاشق في الهوى دلائل * لا يسمع من كلام عاذل
يا من رحلوا وخلفوني * أبكي أسفاً على المنازل
من مقلته رمى سهاما * قد كحلها بسحر بابل
الورد على الجفون غض * والنرجس في الجفون ذابل
ناديت لسائق المطايا * إن كنت إلى العقيق واصل
سرتم سحرا وسرى كَليبي * والركب سرى لذي المحافل

الصورة لفندق نينوى أوبروي الدولي الملاصق لغابات الموصل (لا جمال يعدل جمال المشي في تلك الغابات)، أقيم سنة 1986 وكان من أفخم فنادق البلد بطوابقه الأحد عشر وغرفه الـ262 وحدائقه البابلية وطرازه المعماري المعروف بالزقورة (الأهرام الرافدية)، وهو طراز مستمد من عصر السومريين والأكاديين والبابليين والأشوريين ويرمز إلى الصعود للسماء. استولت عليه داعش وأسمته فندق الوارثين. هؤلاء الدواعش يجسدون تماما ما قاله نابليون بونابرت: "يرددون باستمرار أن الدنيا ليست دارهم ومع ذلك يضعون أيديهم (القذرة) على كل شيء يستطيعون الوصول إليه!".
الكاتب: عماد الأصفر
المحرر: عبد الرحمن عثمان