واشنطن تعلن قصف أهداف إيرانية قرب مضيق هرمز
الضفة: إحراق أراض واعتقال 10 فلسطينيين
ترامب: هجمات إيران على السفن انتهاك أحمق لوقف إطلاق النار
ترامب يهدد دول أوروبا برسوم جمركية بنسبة 100% لهذا السبب
"معاريف": نتنياهو جعل إسرائيل بعزلة والعالم يحتقرها وواشنطن تمقتها
إجلاء 2500 بحار و115 سفينة من مضيق هرمز منذ الثلاثاء
إسرائيل تختطف 6 مزارعين من عين عرب غداة إحراق منازلها
توقيع اتفاق إطاري بين إسرائيل ولبنان
وزيرة النقل الإسرائيلية تحذر من إحياء قطار الحجاز
فيديو.. ارتقاء 3 مواطنين إثر قصف مركبة وسط القطاع
فيديو.. صاروخ "سبيس إكس" يقترب من اصطدام تاريخي بسطح القمر
إعلام إيراني: طهران وواشنطن أسستا خط اتصال عسكري بشأن هرمز
إيران تحذر من "الترتيبات الغامضة" في مضيق هرمز
إسرائيليون يغلقون طرقاً في بني براك للمطالبة بتجنيد الحريديم
الرئيس يحدد أولويات المرحلة الحالية
مستوطنون يحرقون 10 دونمات مزروعة بأشجار زيتون في برقا
زلزال يضرب الفلبين
اقتحام مدينة طوباس
"ابتعدوا".. إسرائيل تلقي منشورات على بلدة بجنوب لبنان
وصيةُ حيّ الجزء الأول
كم مرةً خُذلت!
ألفاً، دمعةً، تنهيدةً، حزناً أم أكثر؟
هاربٌ، قدمي عرجاء، أبللُ الطين بدمعٍ نديّ، فأزيدُ الطينَ بِلة. جدرانُ بيتنا تشبهُ شاعراً حين قرر أن يلتقي بحبيبته قطعوا لسانه، كتب قصيدةً لنفسه يرثي بها سوء حظه. علبةُ العسل الفارغة المركونة خلف الرف، انتهت صلاحيتها مثلي تماماً.
الحلمُ الذي راودني في الأولِ من أكتوبر الماضي، عاد يتوغلُ بذاكرتي، الريحُ قدّت ثوب الطفلة هناك، اشتدُ حزنها، الغريبُ بالأمر أنّني لم أميز الوجوه جيداً، حينها دخل غبارٌ بعينيّ، والمكانُ كان حالكاً ايضاً.
بجوارِ بيتنا سيدةٌ في منتصف الخمسين، تبيعُ العسلَ بأواني فارغة، طفلتُها تشتهي ملعقةً صغيرةً منه. كانت تأنبني على ذنبي. حين اشتريتُ جرّةً كان فمها يتوسلُ لي، والطبيبُ أخبرني أن أحضر لجدتي عسلاً علَّها تشفى.
وصيةُ حيّ الجزء الثاني
ثمة حزن يقترب، أشتمُ ريحه، إنه يقتربُ أكثر، سأحزنُ مجدداً، لا أريدُ أن أعود للحربِ، فأنا محاربٌ هزيل، أحملُ فوق كتفي مدينةٌ لا تغفو، كنتُ أصطاد الملح و أبتلعهُ، لم أفكر أنّني سأضمدُ به جروحي، في الأمس نمتُ بلا ذاكرة، فاكتشفتُ بأن غباراً يطفو فوقها.
الغريبُ الذي أدلى دلاءَهُ ببئرٍ أملكهُ، تحول لطيرٍ فلَّ هارباً، طفلُ الجار فقد أُمه، أصبح ينادي جارتهُ التي لا تنجبُ بأُمي، عندما هرِم اشترى فراغاً، ظلَّ يجاوره حتى أصبح رجلاً بعكازين ونظارة.
وصيةُ حيّ الجزء الثالث
لطالما كنتُ أؤدي دور المهرج؛ اتقنُ صنع مسرحيةٍ مضحكة، أغني على نغم مقطوعةٍ موسيقية بصوتٍ نشاز، لم يلمح أي طفلٍ مرةً شحوباً على ملامحي، كنت مختبئاً بداخلي، أهربُ إليّ.
أرتدي قميصاً ملوناً، جيبهُ العلوية مخزن أخبئُ بثناياها دمعي، ثقبٌ يمتدُ طولياً فيه لم يرهُ أحد. الإبرةُ التي أخطتُ فيها ذلك الثقبَ، أخاطوا بها كفنَ جارنا الأعمى، كان يبيعُ الجرائد، أذكرُ في مساء يومٍ شتوي اشتدت الريحُ، حينها سقطت جريدةٌ من بين يديه المُجعدة. الخبرُ الأبرز كان آنذاك؛ أن محافظ المدينة ينوي إنشاء مشروع استثماريٍّ لتوظيف الشباب، سأحصلُ على وظيفة أيضاً؟ يا لسعادتي.
لكن ما زلتُ طفلاً لم أكبر بعد، شهادةُ الميلاد تقول إن ولادتي كانت منذُ ساعتين.
وصيةُ حيّ الجزء الرابع
إنَّ الموتَ كان قريباً، يختبئُ هنا، ظلٌّ خلف السرير، صورةٌ في جوف المرآة، يقفُ متربصاً، إن ركضتُ ركض خلفي، إن وقفتُ يلازمني، إن التزمتُ الصمت وأصابني الخوف يفعلُ هذا أيضاً.
أمدُ يديّ، أسندُ كتفي المائل، يسقطُ رأَسي فألتقطهُ بفكيّ، أسيرُ أسيرُ فلا أصل، أبحثُ عن اسمٍ يليقُ بدورِ البطولة الحزين الذي أؤديه، يسدلُ الستار قبل الرقصةِ الأخيرة، وأظلُّ كمن فقد صوتهُ بعد أول أغنيةٍ يرددها.
وصيةُ حيّ الجزء الخامس
في تلك الليلة وجدتُ نفسي؛ كنتُ أغفو بجيبِ رجلٍ كهل، يبيعُ التبغَ بجرائد، يحتضنُ دميةً ترتدي ثوباً مُرقعاً، كان قد اشتراها بدولارين لحفيدته الأولى قبل زواجه بستين عاماً.
إنّني حيُّ؛ علَّقتُ ظلَّ أبي على حائطٍ أحدب. مرةً أصغيتُ لحديث نافذةٍ أتعبها الحال، نبَت لها جناحان وهاجرتْ مع أول المطر، و ظلَّ المزرابُ ينهشُ الوحدة بين ضرسيه.
أريدُ الهروب؛ لا بأس إن أصبحتُ ناياً، أو بيانو صغيراً، أو حبة حلقومٍ بين أنامل طفلةٍ جميلة، أو ربما أريدُ أن أصير صفحةً في كتاب تاريخٍ مُمل، أو مثلاً قصيدةً يبتلعُ الشاعرُ نصفها.
وصيةُ حيّ الجزء السادس
لقد غادرتُ غرفتي بلا أرجل، آثارُ خطىً تُركت هناك. مقبضُ الباب تحول لامرأةٍ حقودة، الكأسُ أصبح له لسان، وبّخني وصار سراباً. مذيعُ الأخبار لم ينتظر المساء، بدَّل أخبارهُ بعلبة سردين وابتلعها.
أنا الحيّ فقدتُ ظلي قبل عام، أنجبتُ طفلين شجنٌ وألم، لم يَبرّا بي. جدةُ أُمي بعد عامها الثمانين عقدت قِرانها على رفات زوجها. ذات حلم خبأتُ خلف الوسادة مِفكاً، في الحلم عدتُ طفلةً صغيرة تبعثرُ ثيابها، تركتُ في الخزانةِ كتفي المائل، وثقباً كنتُ أعبر منه لأَقتات على كسرةِ حب.
وصيةُ حيّ الجزء السابع
اكتبُ لكم هذه المرة من تحت الأَرض، إنه المكان الوحيد الذي لا أخافهُ، هنا البردُ شديد، والظلمةُ أشدُ سوادً، المرآةُ التي أترددُ أمامها كثيراً خجولة، الكأَس التي أنجبت فيها تلك الغيمةُ طفلها الأول، تنامُ وقت الظهيرة.
بالأمس سقط القبر على كتفيّ، صوتُ خلخالٍ يأتي من بعيد، امرأةٌ تقترب، رائحةٌ كصوتِ الرصاص تعبقُ بالمكان، إنها تمطرُ في أعلى رأَسي، أطرافي مُبتلة، أنا خائفٌ الآن، أحتاجُ أن أعودَ نطفةً. سقوطٌ آخر، أجثو على ركبي، كأنَّ مغناطيساً يجذبُ برادةَ جسدي إليه، هنا أسقطُ للأبد.
وصيةُ حيّ الجزء الثامن
تحولتُ لمقصٍ يمزقُ الأشياء لإربٍ قيد أُنملة، استبدلتُ النافذة بحفرةٍ ضيقة تتسعُ لجسدين، ألوحُ دائماً بكفِ يدي للمارة، كنتُ استنجد بهم و ظنّوا ما افعلهُ وداعاً، صديقي تزوجَ من سيدةٍ جميلة، ابتاع لها ثياباً وأواني للطبخ، وكرسيَّاً متحركاً، استأجر لها منبهاً بداخله عصفورٌ يظلُّ يبكي حتى يوقظها.
في الحيَّ المجاور قطةٌ بيضاء تسرقُ كرةً من الخيوط، تحركها كبندولٍ بكلتا يديها، تتحولُ في الصباح لتمثالٍ حزين.
أنا مِقصٌ بائس، صنعهُ فلاحٌ كان قد بترَ ساق شجرةٍ مُعمرة، أجرحُ أصابعي و أجلسُ وحيداً.
وصيةُ حيّ الجزء التاسع
محاولاتي الأَخيرة لنيل لقب "متوفى" لم تنجح، خططتُ مرةً للانتحار بعود ثقاب، التاجرُ كان غشاشاً، أعطاني بضاعةً تالفة. أثناء مشاهدتي لفيلمٍ سينمائيٍّ للمرة العاشرة، يموتُ البطلُ مسموماً، سُم!
هل عليَّ أن أجربهُ أَيضاً؟
الموتُ يجب أن يكون مميزاً، نهايةُ الأبطال دائماً غير متوقعة وجميلة، رصاصة راقصةٌ، ثياب مشتعلة، أو سقوطٌ حر من أعلى بناية. أنا ميتٌ منذُ أعوام لا حاجة لي بوسائل لا تُغني ولا تسمنُ من جوع، فقط أقومُ باستبدال جرعاتٍ من ثاني أكسيد الكربون بكميةٍ وفيرة من الأكسجين لأبقى حيَّاً، وهذا مؤلمٌ. أنا الآن بلا ذاكرة، بصيرٌ أصم أبكم، خطايَ مشتتة، اشتعل رأسُ قلبي شيباً وكبرتُ كثيراً.
وصيةُ حيَّ الجزء العاشر
أنا حزينٌ؛ تاريخُ ولادتي قديمٌ، وبئرُ سنيني قد طفح كيله، فلم يعد قادراً على أَن يأوي خيبةً أُخرى.
عندما كنتُ صغيراً؛ ظننتُ الكبار مبتسمين دوماً، إلا أُمي حين أراها تبتلعُ التنهيدةَ تلو التنهيدة، أفنِدُ ظنَّي بالكذب وأهزُ رأَسي قائلةً: "أنتِ كاذبة".
الطريقُ خالٍ؛ أصواتٌ تتداخلُ في أُذني، تقرعُ طبولها، ألتفت يساراً، يميناً، للخلفِ مرةً، ثم للأسفل. سقطَ الرصيفُ أرضاً على رأسهِ، نَسيّ أسماء العابرين، وألوانَ الشجرة القريبة منه، سقطتُ معه مواساةً، فمُتُّ هناك، أصبحتُ كهلاً، هشَّاً كما عظامي، أتنفسُ من خُرم إبرة وما زلتُ ميتاً بجوار الرصيف ذاك.
القماشةُ البيضاء التي ابتعتها من دكانٍ لعجوزٍ أصم، لم أُخِط بها ثياباً، ولم ألمس خيوطها المعقدة، حينها مد لي العجوز يدهُ، كتب لي بقصاصةِ ورقٍ:
"عليك الاحتفاظ بها، كلما كبرت ستزداد الحاجةُ لها أكثر من ذي قبل".
وصيةُ حيّ الجزء الحادي عشر
عدتُ للسرير البارد وحيداً، مثل كوبٍ فارغٍ تجاهلهُ النادل في المقهى، ظلَ على الطاولةِ يبكي، زجاجُ نافذتي كان عارياً، فتشتُ عن أصابعي المفقودة، كنتُ قد قضمتُها البارحة، وأنا أهشُ قطيعَ الأفكار التي تأكلُ رأَسي.
الشارعُ الذي عبرتهُ كان يقيم احتفالاً؛ يحتفلُ لانتصاره، وأنا لا أذكرُ أي انتصارٍ لي. أفتشُ في رزنامةِ جدي القديمة عن تاريخٍ يتوافقُ وحظي كان قد احتفظ بها بعد الزواج؛ الغريبُ بالأمر أن جدي قد غيّر التاريخ حسب مزاجه، بعد وفاته اكتشفتُ أنه كان يخططُ لمستقبله.
أنا المنسيُّ هنا؛ كرسالةٍ قديمةٍ من كثرةِ الكفوف التي صافحتها، فُقد فيها اسم المرسل.
وصيةُ حيّ الجزء الأخير
كان عليَّ أن أفيَ بالوعد الذي قطعته؛ أن أظلّ حياً.
لقد جربتُ الموت كثيراً؛ لكن في كل مرةٍ أستيقظُ كطفلٍ إن سألوهُ ماذا ستصبحُ عندما تكبر، يقول: "طيّاراً؛ أريدُ أن تنبت لي أجنحة".
أوضبُ وسادتي جيداً؛ أراقِصُها ببعض العطر، وأقتلها بجمجمةٍ فارغة من كل شيء إلا الخوف؛ إنه يكبرُ بداخلي كبالونٍ وأخشى أن ينفجر صدفةً، مللتُ التأرجحَ، والسيرَ كثملٍ في الطرقات.
هؤلاء من يلتفون حولي لا يعلمون عني شيئاً سوى أنني أتنفس، أتناولُ طعامي وأحلُم، لا أحد منهم يعلمُ أن الموتَ قد افترس جثتي.
لمَ لا أتحولُ لبطاريةٍ؟ أظنُّ الأمر ممتعاً؛ على الأقل تبتلعني دميةً في يد طفل صغير.
الكاتبة: ميساء سالم
المحرر: عبد الرحمن عثمان