واشنطن تعلن قصف أهداف إيرانية قرب مضيق هرمز
الضفة: إحراق أراض واعتقال 10 فلسطينيين
ترامب: هجمات إيران على السفن انتهاك أحمق لوقف إطلاق النار
ترامب يهدد دول أوروبا برسوم جمركية بنسبة 100% لهذا السبب
"معاريف": نتنياهو جعل إسرائيل بعزلة والعالم يحتقرها وواشنطن تمقتها
إجلاء 2500 بحار و115 سفينة من مضيق هرمز منذ الثلاثاء
إسرائيل تختطف 6 مزارعين من عين عرب غداة إحراق منازلها
توقيع اتفاق إطاري بين إسرائيل ولبنان
وزيرة النقل الإسرائيلية تحذر من إحياء قطار الحجاز
فيديو.. ارتقاء 3 مواطنين إثر قصف مركبة وسط القطاع
فيديو.. صاروخ "سبيس إكس" يقترب من اصطدام تاريخي بسطح القمر
إعلام إيراني: طهران وواشنطن أسستا خط اتصال عسكري بشأن هرمز
إيران تحذر من "الترتيبات الغامضة" في مضيق هرمز
إسرائيليون يغلقون طرقاً في بني براك للمطالبة بتجنيد الحريديم
الرئيس يحدد أولويات المرحلة الحالية
مستوطنون يحرقون 10 دونمات مزروعة بأشجار زيتون في برقا
زلزال يضرب الفلبين
اقتحام مدينة طوباس
"ابتعدوا".. إسرائيل تلقي منشورات على بلدة بجنوب لبنان
يوم 26 أكتوبر من سنة 1982 كان بالنسبة لي أول تجربة قاسية مع الموت. هذا اليوم كان يوما مفصليا في حياة جيل كامل داخل المخيم. كنا قد انتهينا من الدروس وبدأنا نخرج كسيل جارف من باب مدرسة الوكالة الابتدائية، وحين أقول كسيل جارف فإنني أقصد الكلمة بأتم معانيها، فأعداد هائلة من الطلاب المتكدسين داخل الغرف الصفية (40 طالباً على الأقل للصف الواحد)، يخرجون من المدرسة نحو الشارع دفعة واحدة. ما أن خرجنا وأصبحنا أمام مكتب مدير المخيم وإذا برصاص كزخ المطر بدأ ينهمر. مستوطن حاقد مر حينها وتوقف أمام بئر يعقوب وبدأ بإطلاق الرصاص.
لا زلت أذكر وجه هذا المستوطن القاتل ولحيته وقطعة السلاح الصغيرة التي كانت بيده والتي كانت تسمى "عوزي"، وأذكر أيضا أنه كان يعمل على شاحنة لنقل نفايات المستوطنات. بعد أن توقف الرصاص نظرنا حولنا فإذا بهشام أبو مسلم ابن الأربعة عشر ربيعاً غارق في دمه، لكنه لا زال حياً، أو هكذا بدا لي. تمسمرت للحظة أمامه، الدم الأحمر غطى صدره مخلفا بركة من دمه أمام مكتب مدير المخيم، تقدم نحوه الشباب الأكبر سناً وحملوه. جهاد العاصي كان قد حمله بين ذراعية وصار يصرخ متوجها لعيادة الوكالة. كان يركض وأنا أركض خلفه. عيناي ظلتا تراقبان عيني هشام. سيطرت علي فكرة أن هشام مثل خروف مذبوح غارق بدمه. عيناه توقفتا عن النظر وظلتا شاخصتان كانهما صورة قد تجمدت، حينها سمعتهم يصرخون أن هشام قد استشهد.
عدت للبيت مصدوما مرعوبا مما شاهدت. جلست طوال اليوم صامتا بلا أي حراك أو كلمة. كان عقلي قد توقف هناك عند تلك النظرة الأخيرة الشاخصة لهشام. أولاد الحارة أخبروا امي بما حصل اليوم وكيف أنني كنت قريباً جدا من مكان استشهاد هشام وأنني كنت أول من شاهد الدم،. الآن عرفت أمي سبب صمتي وهدوئي. بدأت تمسح على رأسي وتقرأ القرآن، وتدعو وتبكي. في المساء أخذتني معها إلى بيت جارتنا العجوز من عائلة أبو حليمة، هي امرأة صالحة يشع من وجهها نور وحلاوة وطيبة وحسن معاملة، وعادة ما يلجأ لها الناس في المخيم لعلاج الخوف والصدمة أو الإصابة برضوض أو التهاب اللوز (بنات الذنين). قرأت علي الكثير من القرآن، وتمتمت بأدعية وابتهالات لم أفهمها، وكانت تضع يدها في أماكن محددة وتدهن بالزيت وتدلك وتستمر بالتمتمة.
في تلك الأيام لم يكن هناك إرشاد أو دعم نفسي، كان الاعتماد على العادات والتقاليد في علاج مشاكل من هذا القبيل. وقبل أن نغادر منزل دار أبو حليمة، أعطت أمي طاسة الرجفة، وهي عبارة عن إناء صغير مصنوع من النحاس ومنقوش بداخله آيات قرآنية، وطلبت منها أن يوضع فيها الماء ليلا تحت ظل القمر وأن أشرب من هذه الطاسة لمدة ثلاثة أيام، وأن لا تمس الشمس الطاسة بل يجب أن تسحب من باحة الدار قبل شروق الشمس. في الليل نظرت لطاسة الرجفة وراح فكري يسرح، ظننت أن السماء والنجوم والقمر ترسل شيئا ما للماء فيصبح سحريا وقادرا على تحقيق المعجزات. في اليوم التالي ذهبت للمدرسة لأكتشف أن أغلب أولاد صفي قد ذهبوا عند العجوز الطيبة من دار أبو حليمة، لا بل أن كل المدرسة قد شربت من طاسة الرجفة مثلما فعلت انا في الليلة الماضية.
الكاتب: أنور حمام
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا النص لا يعبّر بالضرورة عن وجهة نظر دوز