رحمة حجة: حينما استعرت ذوق أمي
ظنت الصحفية رحمة حجة أن تركها لبيت أهلها في بلدة عرابة جنوب غرب جنين لتنتقل للعمل في الولايات المتحدة، سيمنحها استقلاليتها في اختيار أثاث بيتها كما يملي عليها ذوقها، إلا أن ذوق أمها لا زال حاضراً في اختياراتها.
منذ سنوات تجتاحني أمنية بقوة "أن يكون لي بيت وحدي"، كفكرة استئجار بيت أو شراء بيت، والإقامة به دون شريك، أهم ما فيه توفر الشمس من جميع الجهات أو على الأقل في غرفة نومي، وأريد أن أختبر ذوقي فيه بشراء الأثاث أو أي شيء أحتاجه، لأنني فعليًا لم أكن أعلم ذوقي في تأثيث البيوت، خاصة أن كل المنازل التي سكنتها كانت "مفروشة" لا أضيف لها شيئًا كما لا أنقصه، فقط أحمل ملابسي وأغطية جميلة أختارها من بيتنا، أي الذي تسكنه أمي، وأضيف إليه بقية متاعي.
كما أنني لم أشارك قط في ترتيب بيتنا، هو نفسه العابق بأنفاس وذوق أمي، ربما أحيانًا لأن ذوقي لا يعجبها، ولأنني طالما شعرت أنني فكرة مؤقتة فيه، فعملي مرتبطٌ دائمًا بمكان آخر، أقصد رام الله.
في الشهور الأخيرة ببيتنا، أصبح لي غرفة، وفرحت بها أشد الفرح، وصرت ألملم من أغراض بيتنا الزائدة وأضعها فيها، وأحتفي بها، وصار اسمها "غرفة رحمة"، لكنها أيضًا كانت طارئة حيث تقرر العمل لي خارج البلاد، إلا أن أمي وقبل يومين فقط من سفري، ذرفت دمعًا وهي تنطق خلال حديث عادي "غرفة رحمة..". نعم، فهذه المؤقتة والطارئة صارت كتلة من مشاعر تتدفق وتنهمر في قلب أمي كلما تذكرتني أو شعرت بالحنين إلي.
هنا (في الولايات المتحدة)، وكلمّا انتقيتُ قطعة أثاث للبيت الذي أسكنه، أختار بعفوية غريبة، ذوق أمي، وأضحك على نفسي كلما تذكرت اختلافنا على ترتيب الأشياء هناك، ولا أعارض عفويتي، فصناعة الذوق في أي شيء تحتاج وقتًا جيدًا، وإلى حينه، سأستعير ذوق أمي.
الكاتبة: رحمة حجة
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2016-06-11 || 16:19