القِنْقِنُ.. مهندس الماء السفلي
الشاعر زكريا محمد يستنبط من أصول جذور الكلمات (الإيتيمولوجيا) ودلالاتها ما يفسر ألغازاً عصية على الفهم في ميثولوجيا فلسطين والمشرق العربي. ينطلق من قصة سليمان والهدهد ليصل إلى هود واليهود رابطاً ذلك بالماء وآلهة العالم السفلي.
طائر الهدهد خبير بالماء السفلي، الماء الجوفي، عند العرب. لذا يدعى بالقِنْقِن أو القُناقن، أي مهندسَ الماء السفلي:
"القِنْقِنُ والقُناقِنُ، بالضم: البصير بالماء تحت الأَرض، وهو الدليل الهادي والبَصيرُ بالماء في حَفْرِ القُنِيِّ، والجمع القَناقِنُ، بالفتح. قال ابن الأَعرابي: القُناقِنُ البصير بجرّ المياه واستخراجها" (لسان العرب). والعرب تزعم "أنه يبصر الماء من تحت الأرض، وأن الأرض كانت له كالزجاج" (اليوسي، زهر الأكم).
وحين استفقد الملك سليمان الهدهد فوجده غائبا، هدد بأن يعاقبه عقابا شديدا: "وتفقّد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين. لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين" (النمل: 20-21). وقد فعل ذلك لأنه يريد من الهدهد أن يدلّه على مكمن الماء السفلي: "وسُئل ابن عباس: لم تَفقّد سلَيمان الهدهد من بينِ الطير؟ قال: لأَنه كان قُناقِناً، يعرف مواضع الماء تحت الأَرض" (لسان العرب). بذا، فالسلطان المبين الذي كان يطلبه سليمان من الهدد إنما هو الماء. كان يريد لهذا الطائر أن يدله على الماء: (وقالوا إنه كان دليل نبي الله سليمان عليه السلام على الماء، وإنه إنما غضب عليه وحلف ليعذبنه لكونه نزل على غير ماء... وتقدم من كلام ابن عباس أنَّ نافعا سأل: لم اعتنى سليمان مع ما خوله الله تعالى من الملك بالهدهد مع صغره؟ فقال: إنه احتاج إلى الماء والهدهد كانت له الأرض كالزجاج) (اليوسي، زهر الأكم).
وهكذا، فسليمان كان بحاجة إلى الهدهد ليعثر له على الماء السفلي، بالضبط مثلما كان الأمر مع عبد المطلب الذي كان بحاجة إلى نقرة الغراب كي تدله على مكان حفر عين زمزم. فقد آتى عبد المطلب آتٍ في المنام وطلب منه حفر زمزم، فلم يعرف أين يحفرها، فطلب منه أن يحفرها حيث ينقر الغراب: "فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم ؟ قال: لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم" (سيرة ابن هشام). فالهدهد والغراب متشابهان ميثولوجيا.
والهدهد على علاقة بآلهة الماء السفلي مثل إيا وإنكي العراقيين. وهذان الإلهان يشبهان الآلهة: هدد، وهود، الذي يصور كنبي، إضافة إلى الإله يهودا، الذي يتبدى كجد قبيلة في التوراة. ولأنه على علاقة بهذه الآلهة، فإن اسمه تكرار لأسماء هذه الإلهة في الواقع: (هدهد، هدد، هود، يهودا).
يعني: لا تستخفوا بالهدهد، ولا بتويجه، فهو مهندس الماء السفلي، وهو مندوب الآلهة، آلهة الماء السفلي.
الكاتب: زكريا محمد
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2016-05-28 || 17:32