أبو وسام.. صانع العود الأخير في نابلس
يجمع بين حبّه للعزف على آلة العود وقدرته على صناعتها وإصلاحها أيضاً، وهو صاحب المحل الوحيد لصناعة وإصلاح العيدان في نابلس. تعرف على أبو وسام، صاحب محل "زرياب".
في طريقك وأنت بالبلدة القديمة في نابلس وقريبًا من حلويات الأقصى، بعد بضع خطوات، يقع محل (زرياب) لتصليح الآلات الموسيقية وصناعة العود لصاحبه (أبو وسام)، وكأن كل ما هو جميل لا بد وأن يتواجد قرب بعضه البعض.
أبو وسام عازف ومصلح وصانع للعود، اكتسب هذه المهارات من محبّة فطرية ودورات خارجية بعيدة عن حياته الدراسية. كانت البداية بعمر الـ13 عاماً، أوقفته الدراسة قليلًا عن عزف العود إلا أنه رافقه طيلة حياته في كل مكان يتواجد فيه. ترعرع في عائلة موسيقية وفتح عينيه ليرى العود في كل أرجاء المنزل. والده كان الملهم الأول لتعلم العزف على العود. لم يقتصر أبو وسام على تعلمه فقط، ففي 1993 شاء القدر أن يتعطل العود ولم يجد من يساعده في ذلك. وبدون خبرة مسبقة بدأ بإصلاح العطل، وفعلاً نجح في ذلك. أخبر رفاقه ومن حوله بأنه قادر على إصلاح أي عود فيه عطل، وشيئاً فشيئاً أصبح يعرف كل مصلّحي العود في منطقة الشمال.
الحلم طال
لم يقتصر حبّ أبو وسام على العزف على العود وتصليحه، بل لمس في نفسه رغبة في صناعته. وربما شجعه على ذلك ندرة صانعي العود في منطقته، لكن قبل كل شيء كانت صناعة العود تتطلب البحث عن نجار جيد يُجيد التعامل مع أنواع الخشب التي تناسب العود، وفعلاً استطاع أن يبتكر عوداً ليس بالمقاييس عالية الجودة، لكنها كانت تجربة أولى تستحق كلمة إبداع. ثم بدأ يسافر ويتعرف على أنواع الأخشاب من خلال موسيقيين أوروبيين ذوي علم وخبرة بصناعة الآلات الموسيقية.
بعد عودته من إحدى رحلاته الخارجية رمم محلاً يعود لأحد أقاربه، فتغير وضعه من منجرة إلى محل لصناعة العود وتصليح الآلات الموسيقية. يتنقل أبو وسام بين الفينة والأخرى بين عدة دول ليستورد الأخشاب المناسبة لصناعة العود، وهو يبيع 70% من منتجاته خارج فلسطين وفي أوروبا تحديداً. يقتصر زبائنه على الموسيقيين بمختلف أنواعهم، كالعازفين أو من يرغب بتصليح عطل في عوده أو آلة أخرى.
كيف يصنع العود؟
العود واحد في نظرنا نحن كأناس عاديين، لكنه عند المحترفين مثل أبو وسام يختلف تمامًا، فلكل عوده خشبه الخاص به وحجمه وشكله ولونه والنقوش المرسومة عليه. ويقول أبو وسام، إنه يوجد اختلاف واحد بين العود الشرقي والتركي، برُفع الصوت الخارج منه. ولا أحد يستطيع تمييز ذلك إلا الهواة المحترفون من الموسيقيين.
ولعل أبرز قضية في صناعة العود هي الخشب المستخدم، فلكي تمتلك صوتاً تبهر به المستمعين عليك أن تختار خشباً جيداً، وهو الأمر الأكثر صعوبة في صناعته، إذ يختلف العود المصنوع من خشب الشجر الموجود في الوادي أو ذلك الذي يقطن أعلى سفح الجبل، كل منهما يعطيك صوتاً مختلفاً، وأفضلها خشب شجر الجبال، فرنته تطرب المستمع، وهي تكمن في أشجار السيدار "الأرز" والسروس "السرو"، وكلها أشجار تكثر في أوروبا، تحديداً في إيطاليا وألمانيا. قص الخشب عملية تتطلب فنيين مختصين، وأمثال أبو وسام يشترون الخشب مقطعاً جاهزاً للتصنيع.
المرحلة الثانية هي مرحلة نقع الخشب بالمياه وتركه حتى يجف، ثم وضعه على آلة مخصصة للقيام بعملية التجويف ثم الحف، أي تنزيل الخشب لسماكة معينة، ثم تبدأ عملية جمع أضلاع العود مع مراعاة تناسق الألوان بين كل ضلع وآخر وتركيبها بجانب بعضها البعض، نترك الخشب على العود ونذهب لأعمال أخرى نقوم بها في وجه العود، اليدّ "التي يُحمل عليها العود"، لوحة المفاتيح، القيام بعمليات تجميلية للعود كالرسم والنقوش، وكل ذلك يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً. ومن الجدير بالذكر أنه لا عود يشبه الآخر، فهناك اختلاف ولو بالبسيط.
مواقف عالقة في الذاكرة
يروي أبو وسام قصة حدثت معها عام 1987، أي حينما مضى على عمله في صناعة العود ما يقارب التسع أعوام: "في جلسة موسيقية بين ثلة من العازفين، أحضر أحد أصدقائي عودًا كان صاحبه قد ألقى به في سلة النفايات، لأنه اعتبر أنه فقد صلاحيته للعزف عليه. عندما أخرجه من كيس النفايات الذي اتسخ ببقايا الطعام وبدأ بالعزف عليه، ضحك الجميع عليه وامتلأت أفواه الجميع بالقول: "هذا عود بنعزف عليه؟!". اتخذت الأمر كتحدٍ وقمت بإصلاحه وتنظيفه كثيراً ليصبح منظراً أثرياً أتحدى به الآخرين، وأبرهن على مقولة (لا شيء مستحيل)، علماً أن أصول ذلك العود تعود إلى قبل 130 عاماً".
ولأن "الموسيقى غذاء للروح وحياة" على حد تعبيره، يجلس أبو وسام في محله من الساعة الثانية مساءً إلى الثانية عشرة فجراً، فهو يجد متعة عمله بالليل، فكل جزء من عمله يتطلب هدوءاً ودقة وهما أمران يجدهما في ساعات متأخرة.
يؤكد أبو وسام على أن العائلة لها مكانتها عنده، إذ تعودوا على غيابه لفترات طويلة نسبة إلى رغبته بالمكوث في مكان عمله. نقل أبو وسام حب العزف إلى ابنه الأكبر، أما بقية أبنائه فيفضلون أن يبقوا مستمعين للموسيقى. كما يقصد عدد من المتدربين محله ويرحب بهم بكل رحابة صدر رغم ضيق الوقت الذي يملكه، ويبقى طموح أبو وسام في "أن يزرع صوتاً جديداً وشكلاً جديداً في آلة عود واحدة".
الكاتبة: رشيدة وائل
المحررة: سارة أبو الرب
2016-05-06 || 16:41