الهيجاوي: "أكتب كل ما يستحق الكتابة فيه"
الطالبة في قسم الإعلام بالجامعة الأمريكية أحلام ضمايرة تحاور الكاتب باسم الهيجاوي من بلدة اليامون في جنين. دوز ينشر هذا اللقاء تشجيعاً لطلبة الإعلام.
حين سمعت في صوتك الشوق والحب الكبير للأدب الذي وهبت حياتك له، قررت أن تكون محادثتنا القادمة حول تجربة إبداعية مميزة للشاعر باسم الهيجاوي. بحثاً عن الأدب تسافر كلمات الهيجاوي في رحلة شعرية خط سيرها داخلي نحو الذات، أفقي يمتد باتساع الوطن. الأدب هنا عنوان الهوية وتاج لفلسطين على حافة نهر أو فرح، المارون والعاشقون لديها سواء.
يقول الهيجاوي: "ذات ليلة، وكانت من ليالي آذار الذي يمتد من هذا اليوم التاسع والعشرين من آذار، مضيت لبيت في قرية تنام على أكتاف الجبال المطلة على مرج ابن عامر. كان بيتنا وكانت اليامون وكنت أنا صارخاً موقظاً الجهات التي تلفعني بأمل حالمٍ لأسرة ثالثها أنا (أنا باسم)".
تقول الرواية: "لكل شخص من اسمه نصيب". هذا "أنا الهيجاوي"، الذي عرفته منذ أن تشكل في لغة أرضية، وأفهمه جيداً كما ينبغي، وأتعاطى معه لغات القهر والتعب اليومي، حين يستفزني من ذاكرتي، أجده يعيدني إلى مرجعية صامتة كي نرسم معاً خطانا بوضوح، دون إضاعتها من تحت أقدامنا.
يفرّ إلى حقول اللوز
يقول الهيجاوي: "نشأنا وشببنا وحملنا نشيد الياسمين على ضفاف الماء الذي نشتهي، وقرأنا معاً صدى الصوت عالياً حيث يفيض ليستمر بصراخه العفوي، فتشابكنا في لغة الحلم علَّنا نستيقظ على شيء ذات صباح.. أجده؟ وجدته، لكنه يفرُّ صباحاً إلى حقول اللوز، ليعود كعادته إلى مرفأ الذاكرة في مساءٍ من لهاثٍ وشجن، ونواصل البوح ليواصل المحراث طريقه، فنتجدَّد معاً، لكي لا نهتر".
باختصار غير شديد، حمل اسمه "باسم الهيجاوي" وسار في جميع الاتجاهات التي تعبره، فكان كما أنا الآن: أحلم بمشهد مغاير لما هو كائن، وأبحث عن فضاءات أكثر دفئاً ورفقاً بالإنسان.
ثلاثة خطوط غير متساوية الطول والحجم وضعها الهيجاوي عند قراءته لحكايات المنفلوطي، وأضع خطّاً تحت (تحت ظلال الزيزفون)، وخطّين تحت (الشاعر) حيث "راقني لو كنتُ هو، أو كان أنا. هي صورة مُلِحَّة يستحمُّ فيها الخيال الصغير، تماماً كما في المدينة الفاضلة في رؤية (ستيفن) صاحب (مجدولين). مجدولين كانت تقف على بوابة القلب العتيقة، رسمتُ فيها (الشاعر)، وبنيتُ تضاريس (مدينتي الفاضلة) بين عينيها الواسعتين، فعرفتُ لغةَ العبور المبكّر إلى منبع النهر! ورغم الستة عشر عاماً التي لم يتجاوزها الهيجاوي قبل عشرات السنين، اندثرت فيه الأحلام، "كنت أغمض عينيّ وأتأمل مدينةً فاضلة أبنيها، وأجعلها مسكناً لكل المعذبين والمشردين في الأرض".
نكهة الأدب الفلسطيني
عينان سوداوان كعتمة ليلة غاب فيها القمر. يتمعن الهيجاوي بكلمات رموز ويتعرف على وجدانهم كمحمود درويش وفدوى طوقان وسميح القاسم وتوفيق زياد، لما لهؤلاء من صفة الرمز الذي يتصاعد في أفواه الحاضر القديم آنذاك، ولكن الهيجاوي قرأ وما زال يقرأ وجدان وصورة الشعراء السابقين "كنت أقرأ في وجدان الصورة التي كانت ولا تزال صورة الحاضر القديم المتجدد دائما".
للأدب الفلسطيني نكهته وخصوصيته المجبولة بالمعاناة وتصوير الحاضر، له قدرته العجيبة على احتضانه وسبر أغوار الأحداث والهموم اليومية بشكل عام، كما أنه يتصف بقدرة التحدي لكل عمليات الحصر والقمع اللاإنساني على الرغم من مطاردة "الحرية".
وبين لحظات تأمل وتفكير للهيجاوي تكلم بلغة متمكنة "هناك أدباء مثلوا الحاضر الفلسطيني بنصوصهم التي أعلنت الكشف والتهام التفاصيل اليومية بما حملت من روح الفلسطيني، داخل الجغرافيا وخارجها وأثبتت حضورها المتميز على خارطة الأدب العربي والعالمي بكفاءة قادرة على التجدد والتغيير".
محطات
لكل إنسان بلا شك محطات توقّفَ فيها بحياته وانطلقَ متابعاً الخطى للمسير. ويتميز الأديب عن غيره في توظيف هذه المحطات وفق رؤية تنسجم مع كافة المعطيات التي تندثر بها في مرحلة تأمله تلك، ولكن الهيجاوي لم يملك الخيار حين اقتحَمَت مساحة حياته عناوين استشرف من خلالها تفاصيله القادمة، وكان أبرزها مصادرة الحرية الجسدية في أقبية وزنازين الاحتلال الإسرائيلي عام 1984، وقبلها عناوين أخرى ساهمت في بلورة الانطباعات، منها صورة جنود الاحتلال وآلياته وهي تدخل محتلةً بلدته الصغيرة "اليامون" عام 1967. ولم يكن حينذاك يملك سوى عينين استطاعتا رؤية الأزهار التي داستها أقدام الغزاة وكان طفلاً غضاً لا يعرف الوقت ولا المكان، لكنه يعرف التفاصيل التي تختزنها الذاكرة، ليعبر منها إلى نشيد قادم يُجدّده ليصحو من نومة الصغار.
ثم تبعت ذلك عناوين أخرى غربة المكان للهيجاوي: "حين تنفست هواءً عربياً آخر في أمكنة لم تكن حيث نشأتُ وترعرعتُ ولكن الحنين الآسر يفيض بغربة مؤرّقة للذاكرة، فكان لتلك الفـترة أثرها البالغ على أنفاس القصيدة التي تولد في اشتياق المغترب عن تراب وطنه". والانتفاضة كعنوان بارز في تخطي حدود التسليم المألوف نحو التمرّد في شعر الهيجاوي صوت بات يدرك صحة ارتفاعه وتطاول قامته، وأيضاً رحيل الاحتلال على اعتبار ذلك، والاستظلال تحت أجنحة أبناء الوطن، لتولد مخاضات جديدة النكهة تحاور ذاتها وتحاول اجتياز المبهم فيها.
أدب المقاومة
تلك هي بعض العناوين لمراحل أثرَت في التجربة الحياتية للهجاوي بجانبيها الأدبي والفكري في "مسيرة انفلاتي في نفسي"، كما يصفها. وكان الأبرز في تلك العناوين ولا شك تجربة السجن ومخاضاة الولادة فيه! فالمحبة يسعى لها كل الشعراء والأدباء، ولكن محبة الهيجاوي تقتصر على محبة القراء والمتابعين "رصيدي وأوسمتي التي أحصدها دائما، وهي أهم عندي من كل ما دونها".
بين حروف الكلمات ووحشية المقاومة، بين حب فلسطين وكره الحرب، تطوف بنا كلمات الشعراء وأدب المقاومة، الذي هو أدب كسائر الآداب الأخرى، لكن سماته تمنحه بعض التميز، حيث الصرخة الجامحة الجارحة الصاعدة من أتون المعاناة وطبيعة الهم. فالأدب عند الهيجاوي كشريان اجتماعي يصور ويعلن ويذيع ويؤرخ الأحوال في أي مجتمع، ولا شك في أن الأدب الملتزم هو الذي يلاصق الأحوال المجتمعية في ترسيم صورها ومعالم كينونتها.
باسم أحمد يوسف الهيجاوي من مواليد اليامون في العام 1960، تخصص علاقات إنسانية ـ فرنسا. عاش الهيجاوي تجربة السجن 1984 ـ 1989، وهو عضو اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين والمكتب الحركي المركزي للاتحاد وعضو رابطة الصحفيين الفلسطينيين ورئيس منتدى جنين الثقافي ورئيس تحرير مجلة الجوّال ومحرر مجلة أجنحة الإلكترونية.
الكاتبة: أحلام ضمايرة
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2016-05-02 || 21:33