بنعلي أخبص في طين الجوزاء
لا أعرف اسم الطائر الذي أنشأ أغنيته فصحّاني قبل الفجر.
رفعت رأسي عن الوسادة، واستمعت إليه.
أوه، لا أريد لأحد منكم أن يدلني على اسمه. الاسم والصوت يسكنان حيين مختلفين، وأنا لا أريد جمعهما. ولا أريد حتى أن أعرف لونه. أستطيع بضربة واحدة من الفرشاة أن أمنحه اللون الذي يوائم صوته.
الطائر يغني أغنية لا شبيه لها. ليست أغنية عن الإلف والحبيب، ولا عن العش، ولا حتى عن الربيع والحياة. إنه يتسلى بصوته فقط. يرمي بهذا الصوت في العتمة كما لو أنه يلقي حجرا في بركة كي يصنع دوائر متتابعة لا معنى لها ولا هدف.
بعد ساعة سيأتي من سيقطف في برد الفجر ثمار الباذنجان السوداء ويضعها في السحّارة. وأنا ضائع بين النوم واليقظة. أريد أن أنام وأن أصحو في اللحظة عينها. نهضت، ووقفت على النافذة. عيناي محلج من فولاذ. أريد أن أجز صوف خروف الليل وخروف الفجر معا. أريد أن أخلق دوائر لا عدّ لها، ولا معنى.
لا أعرف اسم الطائر الذي رمى حجرا في بركة الليل. لا أريد أن أعرف اسمه أبدا.
18-6-2015
أنا قربة. بطني منفوخ بالماء، وفمي مشدود بالوكاء. اضربني بكفك على بطني وسوف أصرخ مثل طبل. اضربني على أذني وسوف أبكي مثل طفل.
وأنا أعند من حجرٍ. قلبي حديدة، وفمي صخرة. أصير صدى حين يخطر لي، وأصير رنينا حين لا يخطر لي.
وقفت بباب الكلام طويلا، لكنه لم يفتح لي. وقفت على الدكة، ووقفت على النافذة. لا يحسن بي أن أفعل هذا. عليّ أن أكون أكثر رصانة.
أضع رأسي تحت الحنفية، وأدفق عليه الماء: بففففف. أنا أرتعش من البرد. أرتعش من النقمة، وأرتعش من الود أيضا.
اصبروا علي قليلا كي أفك الوكاء عن فمي، كي أكون أحسن رطانة.
أنا قربة. أنا ضربة. ضربة تودي بصاحبها.
9-4-2015
انصبوا لي خيمة شراب. دعوا النار تقعد قربي كأنها فهد أرقط، كأنها جنكية في عرس. أريد أن أشرب وأن أغني.
وانصبوا خيمة عزاء كذلك. دعوا الموت يطوّف حولها كأنه غرنوق في سبخة. فهناك ما يفتح القريحة للنواح أيضا.
آه يا أحبائي، لقد اختلط الأمر عليّ، وما أدري ما أهزج لكم.
لكن انصبوا الخيمة. ولتكن ما شئتم: خيمة شراب أو نواح. شدّوا حبل الطنيب، واضربوا الوتد على أمّ رأسه.
فأنا سوف أشرب وأُكثِر. سوف أهذي وأُطنب.
15-1-2015
أسيرٌ على صخرة. يداي معقودتان وراء ظهري، رأسي مطأطئ، وعيناي معميتان بسرب النمل الذي يعمل سُخرةً تحت الصخرة.
لا أدري من آسري، ولا أعرف فديتي.
بلى، أعرف.
اعرف الخبزة وكاسرها، وأعرف الأسير وآسره. لقد حبست نفسي بنفسي إلى أن أصير نهرا. إما أن أتدفق كالنهر، أو أن أموت هنا تحت الشمس.
نفسي عزيزة عليّ. يداي وراء ظهري. وأملي في الكلمات. الكلمات وحدها من سيقطع العقدة على معصمي، ويفك لي أسري.
26-5-2015
النهار يكفي كي أخبز خبيزي، وكي أطبخ سميدي. وهو يكفي كي أكسر ركبتي حتى.
وفوق هذا فهناك أيضا ما يكفي من طين كي أزرع في أرض الباطل بطّيخي وقثّائي.
كلوا معي خبزتي.
الصيف نثر عظيم، والخريف شعر هضيم.
16-5-2015
النهار فرس عظيم والليل أنثاه.
عرفت ذلك من الحمحمة والصهيل. بل عرفته من طنين أذني، ومن ضربات عروق صدغي.
الحصان قصر ضخم، والليل بستانه الكبير. وأنا دخلت أروقة القصر، ومشيت على عشب البستان.
كل ما أعرفة يأتيني باللمس. والتشابيه تخلط الأشياء. التشابيه تقتل الأشياء. تقتل الحصان وتقتل أنثاه.
فقط لو أنني قادر على أن أدخل وأخرج في اللحظة عينها. لو أنني أبني بيتي على شكل حذوة حصان.
التشابيه تتجول في العتمة. تحفر مثل الخلد أنفاقا، وتقطع جذور الأشياء.
آه يا كلماتي التي لا معنى لها.
الكلمات مقطعة، والحصان يكسر ظهر أنثاه.
5-1-2015
أعرفك كأنك مرآة. أعرفك كأنني كنت تاجك، أو الباب الخلفي لدارك. والمعرفة عذاب كما تعلم. المعرفة تدمير.
آه، لو أنني لم أكن أعرفك. لو أنني كنت أجهل صورتك. لكننا خلقنا أصلا كي نعرف، كي نكسر الجوزة، وكي نفك اللغز.
ما كان أجملك لو أنك كنت خلف بصري. لو أنني كنت أتكهن بك تكهنا. كنت حينها قد تزوجت كي ألدك. لكن من هو السعيد الذي يلد ما يحلم به؟ لا أحد.
أعرفك كأنك خاتم يضغط على إصبعي، كأنك حبل يخنقني.
3-11- 2014
أيتها الخراف البيضاء
أيتها الجداء السود
من منك سيقفز على كتفي أنا الصخرة المحبوسة على جانب الطريق؟
وأنتم أيها العابرون من منكم سيخدشني بحصاة، كي يكتب كلماته على جسدي؟
مضى وقت طويل جدا لم أنطق فيه كلمة. مضى وقت طويل لم أتدحرج فيه مثل عجلة في الطرقات.
وما يزيد من ألمي، وهو ما لا تدرونه، أنني كنت في ما مضى شجرة قرفة، ثم تحجرت.
آه، كنت عود قرفة أرمي بعَرفي في الريح، وأحفر اسمي في طريق الحرير. لكن هذا ضاع كله، وأنا الآن صخرة.
أنا أختنق كصخرة، والريح لاهية تبول قربي.
3-11-2014
أشعلت مسرجة، وطردت الليل من مغارتي، فربض على بابها كالكلب.
وهناك قعدت أفكر بجناحي الذي لم يخلق بعد. في ما مضى كانت لدي فكرة جناح، لكنها أحبطت. أشياء كثيرة تقتل قبل أن تولد. على كل حال، لا فائدة ترجى من الأجنحة أصلا. فهناك طيور حزينة كثيرة تبيع في السوق أجنحتها. لذلك دعني أفكر بذيلي. دعني أفكر في أكون طائرة ورقية بذيل وخيط طويل، كي أصعد وأصعد حتى تتوقف أذناي عن سماع الكلمات التي تأتي من الأسفل. أريد أن أنسى الكلمات وأن أنسى الأفواه التي تبقّها. لكن الأمور لا تسير كما نشتهي. فها أنا أرخي، في منتصف الليل، أذنيّ لمن يذبحون إخوتهم على صفحات الفيسبوك.
يا لحظي السيء!
حان الوقت كي أطفئ مسرجتي، وكي يدخل كلب الليل مغارتي، وينام في فراشي.
22-12-2014
وضعت يدي على النجوم السبعة لكوكبة الثريا، على المفتاح، وعلى اللبن الخثير. فاليأس يجعل يد المرء تخبط خبط عشواء.
واليأس كما تعلمون حديقة سرية لا يُعبر إليها من بابها. نتسلق الجدار ثم نسقط فيها ونأكل من ثمارها. أين قرأت هذا؟ كل ما كتبته كنت قد قرأته من قبل. وكل باب دخلت منه كنت قد خرجت منه أصلا.
أنت من ورطني في كل هذا. أنت من رسم لي طرقي، وزرع لي القمل في مفرقي. أعطني يدك البيضاء كي أبصق فيها. أعطني كبدك اللعينة كي آكلها.
المحبة بيضة نيئة تكسر بالقبضة، والكره زلط صلب لا يكسر.
استلقيت في حديقة اليأس الوسيعة على ظهري، ووضعت فمي تحت الأطباء السبعة لكلبة الثريا. الحليب يتقطّر ولا يروي. شفتي المقشورة لا ترتوي أبدا.
من منكم يخبرني أين قرأت هذا؟ من منكم يشفيني من يأسي؟
21-11-2014
تك.. أضرب مفتاح النور على الحائط، وأرمي العتمة في كيس زبالة.
تك.. أضغط على الريموت كونترول، وأنهي الصمت. أخفيه تحت السجادة.
تك.. تك..
اسمعوا جيدا: ضربة واحدة وينخسف العالم. أستطيع أن أحضر المسيح نفسه بضربة زرّ، وأن أصلبه بضربة أخرى. الشعر أيضا ضربة زرّ. لم أكن أنوي أن أهينكم بقولي، لكن هذه هي الحقيقة.
تك.. الماء يقطر في الصنبور.
تك.. حمار الوحش يُقتل بطلقة فوق الكثيب.
تك.. لا تصلح التجربة ولا يصلح سردها.
تك... عيني كبيرة كأنها طبق، وفمي يقطر أسماكا ميتة.
26-1-2015
جوزوا معي القنطرة. اعبروا معي برج الجوزاء. الطين على حذائي لأنني عبرت حقولا رنّختها بالمياه النواعير. لست قادرا على البكاء. البكاء الذي تسمعونه يأتي من النواعير. الله شاهد على هذا. وهو شاهد على أن الطين على شفتي لأنني شربت من الماء في الثلم.
لا أعرف حتى أن أكذب. الكذبة تنزلق من بين يدي وتصفق بجناحيها مثل طائر أبي زريق، وتطير. لا أعرف حتى أن أصدق. الصدق يتفلّت من بين رجلي ويدخل نفقا مثل الخلد، ويختفي فيه. لا يهم، سوف أحصل على شيء ما بعد أن أعبر القنطرة. سوف أعثر على كذبة حين تبرك الريح مثل جمل وتحملني على ظهرها. لكن قلبي سيظل أبيض مثل زهرة قطن. وسوف أكون دوما مثل حصان يفتح منخريه منتظرا وراء سياج الحظيرة.
طائر البلشون يحط على الصخرة. طائر البلشون يحط على قرن الجاموس.
وأنا أخبص بنعلي في طين الجوزاء.
2016-04-15 || 00:00