يعجبني ولا يعجبني في ألمانيا – الحلقة 25
إن كنت ممّن يفكّرون بالسّفر إلى ألمانيا والعيش فيها، فلا مناص لك من قراءة ما يكتبه الصحفي والكاتب الفلسطيني حكم عبد الهادي عنها. عبد الهادي، الذي مضى على إقامته في ألمانيا 58 سنة، يوجز خلاصة تجربته وانطباعاته عن المجتمع الألماني في مجموعة مقالات بخفة دم.
عندما جئت لألمانيا قبل أكثر من نصف قرن لم يكن في مدينة هامبورغ (2 مليون نسمة) سوى مقهى واحد تستطيع أن تتناول فيه فنجان قهوة في الهواء الطلق. اليوم أصبحت جميع المدن والبلدان تعج بمقاهي الشوارع. تولَع الألمان في العشرين سنة الأخيرة بالجلوس خارج الجدران وأصبحت المقاهي توزِع على ضيوفها بطانيات لتقيهم من برد أيام الصيف. من أين جاء لهم هذا الانفتاح؟ جاء بالدرجة الأولى من رحلاتهم المكثفة للجنوب، إلى إيطاليا وإسبانيا وجنوب فرنسا. ربما نستطيع أن نقول إن الألمان اكتشفوا الحياة "بعد ما الله أعطاهم بعد تعبهم وعملهم". أكثر من سبعة ملايين ألماني يغادرون بلادهم حوالي أربعة أسابيع من كل عام. يعجبني هذا، لأن السفر يفتح الأفق ويرفع من مستوى نوعية الحياة. وبينما يصرف الألمان مليارات اليوروهات في جولاتهم التي أضحت تصل تايلاند وماليزيا والكاريبي، لا يزيد دخل ألمانيا من السياحة على الواحد بالمائة من الدخل القومي خلافا للنمسا السياحية، حيث تصل هذه النسبة إلى عشرة بالمائة. ألمانيا بطبيعتها الخلابة وقصورها التاريخية وتراثها الحضاري بصورة عامة تستحق الزيارة، ولكن عندما سألت عائلة أمريكية في الريفيرا الفرنسية تقوم بجولة في عدة دول أوروبية فيما إذا ستزور ألمانيا، قالت: "لا، طقسها الممطر يحول دون ذلك". الألمان يعتبرون التشمس من أنواع العبادة. كنت مرة في زيارة للكويت وعندما جاء المرحوم أخي أبو سعد بسيارته لاستقبالي من زيارتي لأحد الأصدقاء وجدني أجلس على صخرة أمام بيت صديقي في عز الظهيرة. سألني: "ماذا تعمل هنا؟" قلت متأثرا بالألمان: "بتشمس". جن جنانه وصاح: “"في حد في هاي البلاد بتشمس؟!". لا يعجبني في الألمان أنهم يريدون أحيانا أن ينقلوا ألمانيا معهم للخارج، فهم يرغبون أثناء رحلاتهم بتناول الوجبات التي تعودوا عليها في بلادهم. في أسبانيا يكتب أصحاب المطاعم على أبوابهم باللغة الألمانية: "هنا تستطيع أن تأكل ما تطبخه أمك". في تونس كانت شابة ألمانية تتنهد وتقول: كم أنا مشتاقة لجبنة الغاودا التي تفتقدها بشدة على الرغم من أن الفندق يقدم حوالي عشرين نوعا من الأجبان. باختصار الألمان من معشر النقيقة والنق على مستوى عالي، كما يقولون أنفسهم عن حالهم. الكاتب: حكم عبد الهادي المحرر: عبد الرحمن عثمان *هذا النص لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز
2016-03-30 || 18:10