يعجبني ولا يعجبني في ألمانيا - الحلقة 24
إن كنت ممّن يفكّرون بالسّفر إلى ألمانيا والعيش فيها، فلا مناص لك من قراءة ما يكتبه الصحفي والكاتب الفلسطيني حكم عبد الهادي عنها. عبد الهادي، الذي مضى على إقامته في ألمانيا 58 سنة، يوجز خلاصة تجربته وانطباعاته عن المجتمع الألماني في مجموعة مقالات بخفة دم.
يعجبني في ألمانيا الاهتمام بالثقافة. قلما تجد كتاباً عليه العين غير مترجم للألمانية، خاصة الكتب التي تنشر في الدول الأوروبية الأخرى والأمريكيتين، وما أكثرها. لا تعاني ألمانيا من قلة الناشرين، ففيها توجد حوالي 2200 دار نشر تقوم سنوياً بإصدار 82000 كتاب جديد (عام 2013)، حوالي 35 بالمئة منها روايات أو ما يسمى بأدب التسلية، نساؤها أكثر إقبالا على القراءة من الرجال، كما تفيد الإحصائيات الأخيرة. غني عن الذكر أن المكتبات العامة منتشرة في معظم أنحاء ألمانيا. حدثني صديقي النابلسي عارف حجاوي، وهو من خيرة الصحافيين والمثقفين العرب، أنه استقى أرضية ثقافته في البداية من مكتبة نابلس العامة. تحية لنابلس، وياريت لو يُعمم ذلك في كافة المدن والقرى في فلسطين. كم خسرنا من الكتاب والشعراء لندرة الكتب في بلداتهم؟ يعجبني أيضا أن عدداً من الكتاب يقدمون أعمال الأدباء الكلاسيكيين من أمثال غوته وشيلر وكأنها روايات حديثة وطريفة وأذكر في هذا السياق الكاتب سافرانسكي. يكتب لك سافرانسكي بطريقة وكأن غوته أصبح أحد معارفك. ولا تشمل كتبه أهم ما أنتج هؤلاء الأدباء فقط بل يضيف عليها قصصَ حبهم وكيف كانت حياتهم اليومية قبل أكثر من قرنين. كتب، على سبيل المثال، أن غوته كاد ينتحر على إثر وفاة صديقه الشاعر الكبير شيلر. شيلر كان رقيقاً وكان ينتقد أعمال غوته بظرافة ودبلوماسية شديدة، ولسوء حظ غوته زاره بعد وفاة صديقه بأيام عالم فيزياء غليظ وصلف بمناسبة عيد ميلاد غوته. كان العالم يعارض كل ما كان يقوله غوته بجلافة قاتلة، وبعد أن سافر قال غوته: الحمد لله، لو بقي هنا لحاول إقناعي أنني لم أولد. لا يعجبني في ألمانيا أن دور النشر الكبرى تلقي بمعظم ما يرسل إليها من مسودات الكتب في سلة المهملات دون أن يقرأها أحد في دورهم وذلك لكثرة عدد الكتب المرسلة إليهم، وبهذا تضيع أعمال تستحق النشر والقراءة. لا يعجبني أيضا أن حوالي سبعة ملايين ونصف المليون ألماني لا يستطيعون القراءة، أي أنهم عمليا أميّون. الكثير منهم تعلم القراءة، لكنه نسيها لقلة مزاولته لها. الكاتب: حكم عبد الهادي المحرر: عبد الرحمن عثمان #هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2016-03-28 || 08:30