تسنيم طحان ج2
ذات يوم جلست في غرفتي أتأمل النجوم وصوت هطول المطر يزقزق في أذني، أخذتني الذكريات إلى اليوم السابع من شهر أيلول حين بدأت نهاري كالمعتاد أنتظر وصول أمير لنذهب إلى لحديقة، لكنه لم يأت ولم أره، لم أر سوى طفل صغير ينادي ويهتف باسمي. ذهبت إليه وقلت له:
- ما اسمك أيها المشاغب؟ ولم تنادي وتهتف باسمي؟
قالها ببراءة: - أنا الأخ اﻷصغر لأمير
- لم أتيت ولم يأت أمير؟
- لقد أرسلني إليك أمير ﻷخبرك أنه لن يأخذك للحديقة، فهو متعب قليلا
- حقا؟! هل أصابه أي مكروه؟
- اطمئني سيصطحبك في المساء للحديقة
- أتمنى أن يأتي.. هيا اذهب أيها الصغير حتى لا تُخيف أمك عليك
- حسنا، أمير ينتظرك في المساء فهو يحبك
- أيها الشقي المشاغب
- سأذهب الآن تمني لي الحظ
لم يكن متعباً ولم يصبه أي مكروه ..حمدٌ لله، بل كان يخطط لحفلة في المساء لهذا اليوم الجميل، إنه اليوم الذي خلقت وجئت لأكون له.
انتظرت المساء بفارغ الصبر، وأخيرا أتى. أغلقت النافذة ونزلت بسرعة إليه ولم يدعني أتكلم بل أغلق عيناي وحملني بين ذراعيه ومشى. عندما وصلنا الحديقة ذهلت بما رأيت إنها مزينة بصورة لي وله والورود الحمراء وكل شيء جميل. بدأت بالبكاء، فقال لي:
- لا تبكي أرجوكي
- كيف لي أن لا أبكي وفي مثل هذا اليوم من كل عام أحتفل به مع الرجل العجوز
- حسنا أرجوكي لا تبكي لدي الكثير من المفاجآت التي ستفرح قلبك. لقد صنعت لك هذا الفستان، هيا ارتديه
- ما رأيك أهو جميل أم ماذا؟
- إنه رائع هيا لنقطع الجاتو
ذهبنا لنقطع الجاتو وأطفأنا الشموع وحان موعد الرقص وما أن بدأ الجميع بالرقص حتى انطفأ النور وحل الظلام على المكان. ذهبنا لرؤية ما الذي يحصل، إنه أمير جالس على الأرض بوجه بشوش مبتسم يقدم لي خاتم الخطبة
أهذا خيال أم أنها فعلا حقيقة؟ حينها لم يقل سوى بضع كلمات وهي:
- هل تقبلين الزواج بي
- أتمنى ذلك بكل سرور إنها أجمل هدية قدمتها لي فشكرا لك
حين ذهب الجميع تنزهنا ومشينا قليلا، أخبرته أني سعيدة جدا ولكني أشعر بشيء في ساكني يخبرني أن السعادة هذه لن تدوم طويلا وبدأت بالبكاء حتى بدأ أمير بتهدئتي وكأنه بروحه يلم جروحي.
لم نكمل حديثنا حتى دخل الجيش الإسرائيلي ولم يكن لأمير سوى أن يمسك بيدي ويذهب ليخبئني. كنا نراقبهم من غير صوت، فرأيناهم يدخلون منزلي ويأخذون أخي ويقتلونه بدم بارد. لم أتحمل، فصرخت بأعلى صوت وقلت:
لم تكتفوا بعد من دم انهدر والحزن والظلم الذي يعيشه الأطفال لقد سرقتم منهم أجمل شيء يملكونه سرقتم طفولتهم التي عاشوها تحت الاحتلال، ألم تكتفوا بعد؟
عندها رأى أحد الجنود أمير فما كان منهم إلا أن يأخذوه ويأخذوا أخي لعلاجه. لم يبق أحد سوى أنا وقد جالست نفسي على الأرض أبكي مرة بعد مرة حتى رأيت الرجل العجوز قد أتى ومسح دموعي وضمني ضمة حنونة كما كان يفعل من قبل. اشتقت لهذه الضمة وتلك الابتسامة التي كان يرسمها على وجهه الذي يتكلم قصصا وقصصا من التاريخ العظيم القديم وخلفها ذلك الحزن الكبير لقد ذهب ثم ذهبت إلى البيت وقلت:
- أماه لا تحزني فبصمودهم سيكسرون قيد سجانهم
قالت والدموع تملؤ عينيها:
- اطمئني يا ابنتي فدعوة ترجعنا إلى سابق عهدنا فقط ادعي لهم
كنا نسكن بالقرب من البحر يفصلنا عنه بضع خطوات، ذهبت إليه وجلست على شاطئه الجذاب فلم أقل أي كلمة لأنني شعرت أن خلفه قصة تكتبها الريح كل يوم
2016-03-05 || 00:00