لا أعرف بالضبط متى وكيف تعرفت على محمود. كل ما أعرفه عنه أنه فلسطيني ، أظن أنه من أبناء الخليل. هذا الشاب كان احد الإخوان الذين يعملون في مصلحة القطارات. رجال يستيقظون قبل الشمس وينظفون القطارات. قلما يراهم الناس أثناء عملهم فهم يغادرون أماكن عملهم قبل قدوم أول مسافر بساعات. بعضهم عمل عشرة أعوام دون أن يتكلم جملة ألمانية يجتمع فيها المبتدأ والخبر والفعل بشكل صحيح، ومع هذا تمكنوا من تعليم أبنائهم في أحسن الجامعات وبنوا بيوتا متينة في فراهم.
محمود أشترى بعد عشرة أعوام عشرين شقة وأقترب من الميسورين في هامبورغ. بدأ بشقة باعها بعد مدة قصيرة واشترى بثمنها شقتين وهكذا. لم يكن من كبار الأذكياء بالمعنى التقليدي ولكنه كان حدقا وفعالا ويعيش على صحون الفلافل والفول.
ذهب هذا الجيل تقريبا. لا أدري إلى أين، ولكنني أشعر مع هجرة السوريين إلى ألمانيا أن جيلا جديدا من بلاد الشام سيستلم العلم ويبني ويشتري ويبيع ويكبر ويعلم أولاده في أحسن الجامعات... ربما ياتي يوم ويقول شاب ألماني أسمر القسمات : جد جدي كان سوريا جاء عندما احترقت سوريا وكان ينام مع عشرات اللاجئين في صالة ثم بدأ عمله في تنظيف وغسيل القطارات وها نحن تعلمنا وكبرنا ونتنقل في أوروبا من بلد لبلد في قطارات نظيفة.