"ثلج الحاجز.. مزروع بالدِّماء" - قصة لبيسان خاروف
الدقيقة التي يقضيها الفلسطيني على الحواجز الإسرائيلية لا تختلف في خطورتها وألمها عن الساعة، فقد تتغير حياة أشخاص بمجرد مرورهم عن أحد الحواجز. بيسان خاروف تكتب قصة قصيرة عن الانتظار والألم على الحرية المسلوبة عند الحواجز.
على الحاجز أقف، أنتظر ويطول انتظاري. تحصي عيناي العديد من المركبات المصطفة خلف بعضها. الوقت يمضي، وأنا جالسة في مقعدي أنتظر فرج ربي. أنفث ثاني أكسيد الكربون من صدري وأراقبه على الزجاج يتكاثف، كمحاولة أخرى للبقاء.
لم أكن وحدي، فالناس من حولي تقاطبوا من كل فج عميق. أسمع هذا الطفل يبكي خوفا من جندي وقف في الظلام، أرتنا بعض الأضواء الخفيفة ملامح وجهه العبس، ولكن الطفل لم ير منه سوى البندقية، فبكى خوفا على طفولته المهددة بالخطر، تسكته أمه وتقول: "إذا بكيت سيطلقون النار عليك"، فيكبت خوفه ويحبس دمعه، ففي أرضه لا يسمح له بأن يعبر عما يختلج في صدره من فرح وحزن إلا بإذن.
أقفل عيناي على لهيب الحزن فيهما. الأرض أرضي والتراب لي. القمح زرعي والحصاد لي، فماذا يفعل هؤلاء الغرباء؟ أطبق جفناي على بعضهما عساني لا أرى، فتهجر الدموع المقلتين وتتسلق أهدابي، فتسقطهما باستسلام بعد أن أعياها ثقلها. أشرد في التفكير حتى لا أحترق، فأين أسرح؟! إلى المستوطنة المعتلية ظهر الجبل، فيخيل لي أنها ستقسمه، هل أستنشق الهواء الذي امتزج بقنابل غازية فقتل الورد وهجر الطير، وخنق رئتاي في صدري، فامتنعت عن النفس؟ أصمت وأظل جالسة كغيري بلا همس.
تمر الدقائق ببطء ثقيل، كعجوز يرمي بثقله على عصى اهترأت، ويأتي جندي ويأمرنا بمغادرة المركبات والوقوف في الشارع ليحتضننا برد الشتاء وتصفعنا الرياح. أصطف كرقم، كجسد بلا اسم، كورقة شجر ذابلة ملقاة على رصيف، ومثلي البقية، شعب الألعاب يتجبر به الجلاد. تخيلت منظرنا نقف على قطعة شطرنج نتحرك كما يحركنا اللاعبون، ونحن جمادات دون إرادة. نحن حجر، نحن دمية لا نستطيع الاحتجاج على كرامتنا المهدورة. الجو بارد والشتاء يلسع الأجساد دون رحمة. أنظر إلى الأشخاص القادمين من مركباتهم ليصطفوا جانبي، فماذا أرى؟ رجلا يسند زوجته الحامل التي زارها المخاض ينبئ بقدوم طفل جديد، طفل محتل منفي ومستعبد من قبل أن يأتي، أسير جديد قبل أن يولد، ضحية قبل أن يدرك التهمة، شهيدا قبل أن يحيا. أوقفها زوجها جانبي وهي تئن في همس، أين تجلس؟ على الثلج الذي احتل الأرض. بماذا تتلحف؟ بالسماء المزمجرة بالرعد. أنظر إليها، فماذا أفعل لها؟ موجة من بكاء تحتلني. الدموع تتجمد على حواف جفناي. يداي تتصلبان وجسدي يرتعش، فكيف أساعدها؟ تصرخ بألم يقطع قلبي. هل يا ترى أستطيع أن أناصفها الوجع، أو آخذ قليلاً منه؟ أريد أن أساعدها ولكن ما بيدي حيلة، حتى دموعي جمدها برد الشتاء.
أسندتها وذهب زوجها ليأخذ إذنا بإدخالها المركبة، فقط أن يدخلها حتى يستر على ما تبقى من إنسانيتها، فيعود مضروبا ببندقية ضرجته بالدماء. المراة تصرخ، تئن، تتوسل، وقلوبنا معها تنفطر، والأيادي متصلبة، الألسنة في الأفواه متحجرة والعدو يقف كتنين ينتظر حركة منا لينفث النار من جوفه. يصرخ شاب: "اتركوها تذهب وأبقونا نحن! اتركوها لتعيش وطفلها وخذونا نحن!". ينهال الجنود عليه بالضرب، ويجبرونه على خلع ملابسه حتى بتجرع لوعة البرد، والمرأة ما زالت تئن، ليخرسوا صوت رجولته المتمرد على رصاص البنادق يعلو أنينها وغير الصدى لا يجيب.
نحن صامتون لا نستطيع الكلام والطفل يضغط رحم أمه، يريد القدوم متلهفا للحياة جاهلا ما يتنظره من بطش وقمع يسرق منه طفولته. أظنه كان يحلم حينها بعيد ولبس جديد، بوطن يعيش فيه سعيدا، بحرية، بأمان ولهو ومرح في أرض الوطن الحزين، صغير هو، لا يدري بأنه منذ قرر المجيء بدأ التعذيب. صرخت المرأة، فصرخ الشاب من جديد: "الله أكبر! سيموت الجنينن، ستموت الأم من ألمها فما بالكم صامتون؟"، فأخرسوه برصاصة اعتلت جبينه وأردوه شهيداً، وانبثق الطفل من رحم أمه يصرخ يعلن مولد إنسان جديد. كأن الحياة أضحت مقاعد، لا يولد الجنين إلا حين يرتحل آخر ليفسح له المجال.
الدم يغطي الثلج، يقتحم البياض. الدهشة تعلو الوجوه. الدموع تحتل العيون، والطفل يبكي والشهيد على الأرض يرتمي. ترى هل ينبت من الثلج المزروع بالدم حلم جديد؟! ها قد غادرنا شهيد وأتى طفل جديد، وما زلنا نقف نعتصر ألمنا عاجزين. من سيتكلم هذه المرة ليسقط على الأرض وتعتلي روحه السماء؟ جميعنا صمتنا، جميعنا اعتلينا المركبات وغادرنا في صمت ثقيل تاركين الشهيد على الأرض مستلقياً لترتقي روحه إلى بارئها، تاركين دمه على الثلج يرويه، ومضينا إلى حيث لا ندري مشلولين عن التفكير، فأتانا طفل وغادرنا شهيد، وما زلنا نمضي إلى ما لا ندري.
الكاتبة: بيسان خاروف
المحررة: سارة أبو الرب
*هذا النص لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز
2016-02-09 || 22:44