يعجبني ولا يعجبني في ألمانيا - الحلقة الرابعة عشرة
إن كنت ممّن يفكّرون بالسّفر إلى ألمانيا والعيش فيها، فلا مناص لك من قراءة ما يكتبه الصحفي والكاتب الفلسطيني حكم عبد الهادي عنها. فقد أوجز عبد الهادي، الذي مضى على إقامته في ألمانيا 58 سنة، خلاصة تجربته وانطباعاته عن المجتمع الألماني في مجموعة مقالات بخفة
سأثير موضوعاً قد لا يعجب البعض وهو موضوع المقابر. تعجبني المقابر في ألمانيا لأنها أشبه بالمتنزهات التي تعج بالأشجار والزهور. الألماني يحب عادة الطبيعة وتظل ترافقه حتى بعد موته. هناك من يعتني بها ويحافظ على نظافتها. أهل الفقيد يزينون قبره بورود طازجة، وهكذا يبني الأحياء جسرا جميلاً بينهم وبين موتاهم. أعرف بعض الأصدقاء الألمان الذين يزورن قبور فقيداتهم يومياً. شخصيا وعدت جدتي، التي كانت لا تبخل علي بالزبيب والقطين، أن أقرأ على روحها الفاتحة باستمرار، وهذا ما واظبت عليه لعشرة أعوام. لم تطلب مني أكثر من ذلك، رحمها الله، واكتفيت بتلاوة آيات من الذكر الحكيم دون تقديم خدمات أخرى. في بلادنا يرى معظم الناس أن العناية بالقبور من الكماليات. في برقين، قرية بالقرب من جنين، لم يشاركهم الدكتور سمير، أحد خريجي الجامعات الألمانية، هذا الرأي: جمع أولاد القرية وقال لهم: من العيب أن نترك قبور أجدادنا على هذه الحالة. نظم الرجل حملة للشباب الذين أستيقظوا ذات يوم في الصباح الباكر ونظفوا ورمموا وزرعوا الأشجار في مقبرة القرية الوحيدة. هل كان سيفعل ذلك لو لم يتخرج من ألمانيا؟ لا يعجبني في ألمانيا أن الألماني يحب سيارته في كثير من الأحيان أكثر من زوجته وأولاده، فهو يحرص على نظافتها وتلميعها. أحيانا التقي بأحدهم في "الكازية" وهو ينبطح داخلها والعرق يتصبب من جبينه لإزالة الغبار بجهاز معد لهذا الغرض. قلما ترى – خلافاً لما تراه في شرقنا – سيارة في الشوارع الألمانية ضوءها معطل. الألمان يزيدونها قليلا في عشقهم لسياراتهم. الكاتب: حكم عبد الهادي المحررة: سارة أبو الرب *هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي دوز
2015-10-18 || 19:32