لماذا انهارت أسهم وول ستريت وبورصات آسيا؟
شهدت الأسواق المالية العالمية موجة خسائر حادة بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وسط مخاوف من تشديد الرقابة على شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وفرض قيود على توسعها.
تبخرت تريليونات الدولارات من قيمة الأسهم في بورصة وول ستريت بنيويورك في نهاية معاملات الخميس، وتبعتها بورصات في آسيا خلال معاملات الجمعة، وسط مخاوف واسعة من أن يؤدي الفوز الكاسح الذي حققه الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس إلى فرض قيود تعوق نمو شركات التكنولوجيا الأمريكية وتشدد الرقابة على أنشطة الذكاء الاصطناعي.
وذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن بورصة وول ستريت خسرت وحدها نحو 3.2 تريليونات دولار من قيمة أسهم الشركات المسجلة بها خلال التعاملات في يوم واحد.
وكان مؤشر "ناسداك 100″، الذي تغلب عليه أسهم شركات التكنولوجيا، أبرز الخاسرين، حيث انخفضت قيمته بنسبة 6.4%، في حين انخفضت أسهم شركة "إنفيديا" العملاقة لرقائق الذكاء الاصطناعي بنحو 9.3% لتخسر ما يقارب 400 مليار دولار من قيمتها السوقية.
يُذكر أن هذا هو أسوأ أداء يومي لمؤشر ناسداك من حيث النسبة المئوية منذ أبريل/ نيسان العام الماضي، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رسوما جمركية عامة واسعة النطاق.
وتراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بأكثر من 4%، في حين خسر مؤشر داو جونز أكثر من 3%.
وسارع ترمب إلى تحميل الديمقراطيين مسؤولية الانهيار في بورصة نيويورك، حيث كتب على منصته تروث سوشيال بعد إغلاق الأسواق المالية الأمريكية: "انهار سوق الأسهم اليوم لأن الديمقراطيين حققوا فوزا كبيرا الثلاثاء.. من المحزن رؤية ذلك، لا تلوموا إلا أنفسكم".
موجة بيع حادة
وقال مايكل هيوسون من شركة "إم سي إتش ماركت إنسايتس" لوكالة الأنباء الفرنسية إن المستثمرين يبيعون أسهمهم بسبب "مخاوف من احتمال مواجهة خطط التوسع في الذكاء الاصطناعي معارضة أكبر" بعد فوز الديمقراطيين.
وامتدت موجة البيع الحادة إلى الأسواق الآسيوية، إذ هبط مؤشر كوسبي لبورصة سول في كوريا الجنوبية لفترة وجيزة بنحو 9%، قبل أن ينهي التعاملات متراجعا بنسبة 6%، مع خسارة سهم شركة الرقائق العملاقة "إس كيه هاينكس" أكثر من 10% من قيمتها، في حين تراجع سهم منافستها سامسونغ بنسبة 6.4%، وهما أبرز شركتين على المؤشر.
وفي طوكيو، هبط مؤشر نيكي بنسبة 6%، مع تراجع سهم سوفت بنك التي تستثمر في قطاع التكنولوجيا بأكثر من 10%، وسهم كيوكسيا بنسبة 8.7%، وأدفانتست بنسبة 5%.
وأدى انخفاض سهم شركة "تي إس إم سي" التايوانية لصناعة أشباه الموصلات بنسبة 4.7% إلى تراجع مؤشر تايكس في تايبيه بنسبة مماثلة تقريبا.
وفي أوروبا، هبط المؤشر ستوكس 600 بنسبة 1.6% إلى 644.72 نقطة، وتراجعت المؤشرات الرئيسية في معظم الأسواق الأوروبية بأكثر من 1%.
مخاوف بشأن الذكاء الاصطناعي
يأتي الفوز الكاسح للديمقراطيين في الوقت الذي تتصاعد فيه التساؤلات من قبل المستثمرين حول الاستثمارات الهائلة التي تم ضخها في قطاع الذكاء الاصطناعي، والديون الضخمة التي حصلت عليها شركات التكنولوجيا الأمريكية لتمويل البنية التحتية لهذا القطاع، وبشكل خاص مراكز البيانات، الأمر الذي تسبب في مخاوف واسعة بين المستثمرين من أن كل هذه الاستثمارات والديون لن تحقق العائد المنتظر منها.
وكانت بعض شركات التكنولوجيا الكبيرة تعاني من مشكلات كبيرة قبل فوز الديمقراطيين، من بينها شركة ألفابت التي تمتلك منصة غوغل، والتي خسرت نحو 500 مليار دولار من قيمة أسهمها نتيجة مخاوف المستثمرين من قلة السيولة لديها مع النفقات الهائلة على تطوير الذكاء الاصطناعي.
ومن المتوقع، وفق بلومبيرغ، أن يؤدي الفوز الكاسح للديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ، علاوة على الفوز بمناصب الحكام في ولايات مهمة مثل تكساس، إلى تكثيف رقابة الكونغرس على شركات التكنولوجيا، والتوجه نحو وضع تنظيمات لضمان سلامة الذكاء الاصطناعي، وفرض قيود أكثر صرامة على مستوى الولايات فيما يتعلق بإنشاء مراكز البيانات التي يشكو الكثير من الناخبين الأمريكيين من التأثيرات السلبية للتوسع فيها.
وأفادت بلومبيرغ بأن نصف مشاريع مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي، والمقترح إنشاؤها في أنحاء الولايات المتحدة، قد تواجه تدقيقا أكثر صرامة في أعقاب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وأوضحت بلومبيرغ أنه في ولايات رئيسية مثل تكساس وأوهايو -التي كانت تُعدّ سابقا ملاذا آمنا نسبيا لشركات التكنولوجيا- قد تتوقف عمليات بناء مراكز البيانات، حتى يحصل السكان على ضمانات كافية بأن هذه المنشآت لن تؤدي إلى استنزاف موارد المياه أو رفع أسعار الكهرباء.
وفي هذا السياق، قال دوغ كاليداس، النائب الأول للرئيس بمنظمة "أمريكيون من أجل الابتكار المسؤول"، لبلومبيرغ: "لا أعتقد أننا سننتقل فجأة من وتيرة محمومة لبناء مراكز البيانات إلى التوقف التام عن إنشائها، لكن شروط التفاوض باتت مختلفة".
تشديد الرقابة على الذكاء الاصطناعي
وأضافت بلومبيرغ أنه لا تقتصر مخاوف الذكاء الاصطناعي على الاعتراضات المتعلقة بمراكز البيانات، إذ يتوقع مراقبو القطاع أن يواجه مطورو تقنيات الذكاء الاصطناعي سلسلة من التحقيقات في الكونغرس حول مخاطر تقنياتهم، وفي بعض الحالات، حول علاقاتهم الوثيقة مع ترمب.
وأشارت بلومبيرغ إلى أن شركة إنفيديا العملاقة قد تتعرض للمساءلة بشأن مبيعاتها من الرقائق إلى الصين، وكذلك بسبب العلاقة الشخصية التي تربط رئيسها التنفيذي، جينسن هوانغ، بترمب.
وكانت السيناتورة إليزابيث وارن -وهي ديمقراطية عن ولاية ماساتشوستس، ومن المتوقع على نطاق واسع أن تتولى رئاسة لجنة الشؤون المالية في مجلس الشيوخ- قد طالبت بعقد جلسة استماع يحضرها هوانغ، وهو ما رفضه الأخير. وبمجرد توليها رئاسة اللجنة، قد تتحول خطاباتها إلى أوامر استدعاء رسمية.
وقد تصاعدت الدعوات لاتخاذ إجراءات في الأشهر الأخيرة، لا سيما بعد أن حذّر عاملون في مجال الذكاء الاصطناعي من احتمالية تسبب هذه التكنولوجيا في أضرار واسعة، وهو ما أيده داريو أمودي رئيس شركة أنثروبيك الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث طالب بإبطاء وتيرة تطويره.
لكن ترمب رفض هذه المخاوف ووصفها بأنها "خدعة"، وحذر من خسارة السباق في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي مع الصين.
ونقلت بلومبيرغ عن جانيت كيلي، الرئيسة التنفيذية لمنظمة "تحالف من أجل مستقبل أفضل"، وهي منظمة غير ربحية تدعو إلى سياسات أكثر صرامة بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، أن الناخبين يعبرون بوضوح شديد عن رغبتهم في أن ينصت صناع السياسات إليهم فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، وأن يحققوا توازنا أفضل بين الابتكار والأمن، وهم يتوقعون اتخاذ إجراءات في أسرع وقت ممكن.
المصدر: الجزيرة
2026-11-06 || 20:31