قبل أقل من 48 ساعة على موعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وبينما كانت استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم المرشح الديمقراطي عبدول السيد في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان؛ فاجأت النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز حلفاءها بإعلان تأييد منافسه الجمهوري مايك روجرز، بعد ثلاثة أشهر فقط من خسارتها الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي أمام السيد بفارق ضئيل.
طرح إعلان ستيفنز سؤالاً بشأن مدى قدرة انشقاقها وامتناعها عن الوقوف مع حزبها على تغيير سلوك الناخبين في سباق يُحسم بأصوات قليلة، خاصة أن توقيت القرار المتأخر وردود الفعل الغاضبة التي أثارها قد تكون لهما آثار عكسية عما أرادته ستيفنز.
وتكشف مراجعة نتائج الانتخابات السابقة واستطلاعات الرأي وبيانات التصويت المبكر أن المعركة تتجاوز موقف ستيفنز شخصيًا،
إذ تتداخل فيها ثلاثة عوامل رئيسية:- مدى تماسك القاعدة الديمقراطية.
- والتغيرات المحتملة في تصويت اليهود والسود.
- وقدرة المرشحين على حشد المترددين في الساعات الأخيرة.
هل تتمتع ستيفنز بنفوذ انتخابي مؤثر؟تمنح نتائج الانتخابات التمهيدية في 4 أغسطس/آب الماضي مؤشرًا على حجم القاعدة التي استطاعت ستيفنز حشدها.
فبحسب النتائج التي جمعتها مؤسسة "ديسيجن ديسك إتش كيو" المتخصصة في تتبع الانتخابات، فقد حصل عبدول السيد على 745 ألفًا و104 أصوات، مقابل 731 ألفًا و263 صوتًا لستيفنز، بفارق لم يتجاوز 13 ألفًا و841 صوتًا، أي أقل من نقطة مئوية واحدة.
وهذا يعني أن ستيفنز حصلت على تأييد ما يقارب نصف المشاركين في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، وليس مجرد أقلية هامشية داخل الحزب.
لكن هذه الأصوات لا تمثل كتلة يمكن نقلها تلقائيًا إلى روجرز، إذ إن التصويت لستيفنز في الانتخابات التمهيدية لا يعني بالضرورة استعداد الناخب للتخلي عن الحزب الديمقراطي في الانتخابات العامة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن السيد استطاع بالفعل استعادة تأييد معظم الناخبين الديمقراطيين بعد انتهاء المنافسة الداخلية. ففي استطلاع أجرته شبكة "سي إن إن" بالتعاون مع مؤسسة "إس إس آر إس"؛ حصل السيد على تأييد 95% من الناخبين الديمقراطيين المرجحة مشاركتهم في الانتخابات، مقارنة بـ90% في استطلاع مماثل أُجري مطلع سبتمبر/أيلول الماضي.
فاجأت النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز (يسار) حلفاءها بإعلان تأييد منافس عبدول السيد الجمهوري مايك روجرز بعد ثلاثة أشهر فقط من خسارتها الانتخابات التمهيدية أمام السيد بفارق ضئيل (أسوشيتد برس)كما أظهر الاستطلاع تحسن موقف السيد في السباق عمومًا، بحصوله على 49% مقابل 42% لروجرز، في ظل تراجع شعبية المرشح الجمهوري الذي ارتفعت نسبة من ينظرون إليه بصورة سلبية.
وتوحي هذه البيانات بأن الخلافات التي أعقبت الانتخابات التمهيدية لم تمنع توحد غالبية الناخبين الديمقراطيين خلف مرشحهم قبل إعلان ستيفنز المفاجئ.
ماذا تقول أحدث الاستطلاعات؟لا تزال البيانات المنشورة -حتى صباح الاثنين- تشير إلى تقدم السيد، وإن اختلف حجم هذا التقدم بين مؤسسة استطلاع وأخرى.
فقد أظهر استطلاع لصحيفة نيويورك تايمز وجامعة سيينا -نُشرت نتائجه الأحد الماضي- حصول السيد على 53% مقابل 42% لروجرز بين 1011 ناخبًا مرجحًا، وهي أكبر فجوة سجلها استطلاع حديث بين المرشحين.
لكن استطلاعًا آخر أجرته مؤسسة "ريسيرش كو" أظهر تقاربًا أكبر، إذ حصل السيد على 48% مقابل 46% لروجرز.
غير أن هذه الأرقام لا تقدم إجابة مباشرة عن أثر انشقاق ستيفنز؛ فجميع الاستطلاعات المذكورة أُجريت -بالكامل أو في معظمها- قبل إعلانها صباح الأحد، ولذلك لا يمكن الاستناد إليها للقول إن قرارها أضعف السيد أو عزز تقدمه.
ويكشف التباين بين الاستطلاعات كذلك أهمية هامش الخطأ واختلاف منهجيات اختيار الناخبين المرجحة مشاركتهم، مما يجعل الفارق بين المرشحين وحده غير كافٍ لقياس تأثير تطور سياسي وقع قبل الاقتراع بيومين.
المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان عبدول السيد يتحدث إلى أنصاره خلال فعالية في ديترويت يوم 5 أغسطس/آب 2026 (الأوروبية)الناخبون اليهود.. أين يمكن أن يظهر التأثير؟يمثل التصويت اليهودي أحد أبرز المجالات التي يحاول الجمهوريون الاستفادة فيها من انشقاق ستيفنز، بالنظر إلى موقفها المؤيد لإسرائيل والدعم الكبير الذي تلقته من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) خلال الانتخابات التمهيدية.
ويشكل اليهود نحو 1.4% من الناخبين في ميشيغان، ويتركزون خصوصًا في الضواحي الشمالية والغربية لمدينة ديترويت، ولاسيما مقاطعة أوكلاند التي حققت فيها ستيفنز نتائج قوية خلال الانتخابات التمهيدية.
ورغم محدودية حجم هذه الكتلة مقارنة بإجمالي ناخبي الولاية، فإن نتائج انتخابات 2024 توضح أهميتها في السباقات المتقاربة، إذ خسِر روجرز السباق نفسه أمام الديمقراطية إليسا سلوتكين بفارق 19 ألفًا و6 أصوات فقط، بينما فاز ترمب بميشيغان في الانتخابات الرئاسية بفارق نحو 80 ألف صوت.
وقد أنفق التحالف الجمهوري اليهودي نحو مليونيْ دولار لاستهداف قرابة 50 ألف ناخب يهودي -معظمهم من مقاطعة أوكلاند- ممن دعموا ستيفنز في الانتخابات التمهيدية.
وشملت الحملة إعلانات رقمية ورسائل بريدية واتصالات هاتفية وزيارات مباشرة للمنازل، في محاولة لإقناع الناخبين بالتصويت لروجرز أو الامتناع عن تأييد السيد.
وفي تحقيق نشره موقع "جويش إنسايدر" الاثنين، توقع عدد من القيادات اليهودية المحلية انتقال جزء مهم من الناخبين اليهود إلى روجرز، أو ترك خانة انتخابات مجلس الشيوخ فارغة.
وذهب بعض المتحدثين إلى تقدير أن نصف الناخبين اليهود -على الأقل- قد يمتنعون عن دعم السيد، لكن هذه التقديرات تعكس آراء قيادات ومشاركين في الحملة، وليست نتائج استطلاع تمثيلي للناخبين اليهود.
وفي المقابل، أعلنت شخصيات يهودية ديمقراطية بارزة -بينها السيناتورة إليسا سلوتكين وعضو مجلس شيوخ الولاية جيريمي موس والنائب السابق آندي ليفين- دعم السيد ورفض الانتقال إلى تأييد روجرز.
وقالت هالي سويفر -المديرة التنفيذية للمجلس الديمقراطي اليهودي الأمريكي الذي لم يؤيد السيد انتخابيًا- إن التصويت لأي مرشح جمهوري في انتخابات 2026 يعني دعم ترمب.
ومن ثم فإن الانقسام داخل المجتمع اليهودي ليس مجرد خلاف حول إسرائيل، بل يتضمن أيضًا اختلافًا بشأن المفاضلة بين الاعتراض على مواقف السيد ومنح الجمهوريين مقعدًا إضافيًا في مجلس الشيوخ.
ديترويت والناخبون السودأما المجال الثاني الذي يراهن عليه الجمهوريون، فهو الناخبون السود في مدينة ديترويت الذين يمثلون إحدى أهم القواعد الانتخابية للديمقراطيين في ميشيغان.
واختارت ستيفنز إعلان تأييدها لروجرز خلال زيارة لكنيسة بيرفكتينغ في ديترويت، حيث أشادت بوعوده بدعم الشركات المملوكة للأمريكيين السود، في مشهد يحمل أهمية انتخابية تتجاوز المكان الذي صدر منه الإعلان.
ولم يأت ذلك بصورة منفصلة عن حملة جمهورية أوسع تستهدف هذه الفئة. فقد أنفقت لجنة سياسية تسمى "تمكين الأمريكيين السود" نحو 1.5 مليون دولار على إعلانات ورسائل تستهدف الناخبين السود، وتتهم السيد بعدم احترام مجتمعهم أو تمثيل مصالحه. لكن الممول الوحيد المعلن لهذه اللجنة هو رجل أعمال أبيض من بنسلفانيا معروف بتبرعاته للقضايا الجمهورية.
وفي المقابل، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة غلينغاريف لمصلحة صحيفة ديترويت نيوز ومحطة "دبليو ديف" في أكتوبر/تشرين الأول حصول السيد على دعم 87% من الناخبين السود المرجحة مشاركتهم. ويحاول الديمقراطيون تعزيز هذا الدعم عبر الاستعانة بقيادات سود بارزة، بينهم النائب جيم كليبرن ونائب حاكمة ميشيغان غارلين غيلكريست، فضلًا عن حملات تعبئة محلية.
وكانت بورشيا روبرسون -نائبة رئيس الحزب الديمقراطي في ميشيغان- قد هاجمت زيارة روجرز لكنيسة السود، مشيرة إلى سجله التشريعي وتقييمه السابق لدى الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، مؤكدة أن السود في ديترويت لا يحتاجون إلى من يخبرهم بالمرشح الذي يدافع عن مصالحهم.
مشكلة أقدم من انشقاق ستيفنز
ورغم تركيز التغطية الإعلامية على انشقاق ستيفنز، فإن بعض البيانات تشير إلى أن السيد كان يواجه صعوبات في استقطاب شرائح من ناخبي الولاية قبل هذا التطور.
ففي استطلاع نشره معهد أبحاث السياسات العامة والاجتماعية بجامعة ولاية ميشيغان، حصل السيد على 48% مقابل 45.5% لروجرز، بينما تقدمت المرشحة الديمقراطية لمنصب حاكم الولاية جوسلين بنسون بنسبة 53.3% مقابل 40.9% لمنافسها الجمهوري جون جيمس.
وهذا الفارق بين أداء المرشحين الديمقراطيين في السباقين جدير بالاهتمام، لأنه يشير إلى أن التأييد للحزب الديمقراطي لا يُترجم بالضرورة إلى دعم مماثل للسيد.
وأوضح مدير المعهد مات غروسمان أن الفارق يرتبط خصوصًا بأداء بنسون بين المستقلين والناخبين المعتدلين والسود والكاثوليك وسكان مقاطعة واين، بينما يحظى السيد بتأييد أقوى نسبيًا بين الناخبين الأصغر سنًا.
وكشف الاستطلاع نفسه أن نحو 38% من المستجيبين قالوا إن كون المرشح مسلمًا سيجعلهم أقل ميلًا إلى دعمه، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشرًا إلى احتمال تأثير المواقف المعادية للمسلمين في السباق.
هل جاء الانشقاق متأخرًا؟قد يكون توقيت إعلان ستيفنز أحد أبرز العوامل التي تحد من قدرته على إحداث تغيير واسع في السباق. فبحلول 29 أكتوبر/تشرين الأول، أي قبل الانشقاق بأكثر من يومين؛ كان 1.7 مليون ناخب قد أدلوا بأصواتهم بالفعل في التصويت المبكر بحسب البيانات الرسمية للولاية.
وتعني هذه الأرقام أن شريحة كبيرة من الناخبين كانت قد حسمت قرارها الانتخابي بالفعل قبل ظهور ستيفنز مع روجرز، بينما انتهت فترة التصويت المبكر الإلزامية يوم الأحد، مع إتاحة تمديد محدود في بعض المناطق يوم الاثنين.
ونقلت مجلة نيويورك عن المستشارة السياسية في ميشيغان أندريا بيتلي تقديرها أن تأييد ستيفنز لروجرز لو حدث قبل أسبوعين لكان من الممكن أن يؤثر في ما بين 8 و10 آلاف صوت، بينما قد ينحصر أثره الآن -بحسب تقديرها- فيما بين 3 و5 آلاف صوت.
انشقاق يعزز التبرعات ويستفز الديمقراطيين
لكن نتائج الانشقاق لم تقتصر على المكاسب الإعلامية التي حاول الجمهوريون تحقيقها. فبحسب وكالة رويترز، فقد أعلنت حملة السيد جمع 1.2 مليون دولار خلال أربع ساعات فقط من إعلان ستيفنز تأييد روجرز، في ثاني أكبر حصيلة يومية للحملة منذ الانتخابات التمهيدية.
كما أثار القرار موجة من ردود الفعل الغاضبة داخل الحزب الديمقراطي الذي سارع كبار قادته إلى تأكيد دعم السيد.
ووصف زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر موقف ستيفنز بأنه "خيانة مخزية"، بينما أعلن رئيس الحزب الديمقراطي في ميشيغان كيرتس هيرتل أن ستيفنز لم تعد من أعضاء الحزب في الولاية.
وأعلن عدد من موظفيها الاستقالة احتجاجًا على القرار، بينهم مدير مكتبها جاستن جيرمان الذي دعا إلى دعم السيد وجميع المرشحين الديمقراطيين.
وتشير هذه التطورات إلى أن تأثير قرار ستيفنز لا يسير في اتجاه واحد. فهو من جهة يمنح روجرز دعمًا سياسيًا من منافسة سابقة تتمتع بقاعدة انتخابية، ومن جهة أخرى يوفر لحملة السيد فرصة لإبراز تأييد القيادة الديمقراطية له، وحشد الموارد والأنصار في مواجهة ما يصوره الحزب بوصفه محاولة لتقسيم صفوفه.
معركة الساعات الأخيرةوقال محاضر العلاقات الدولية في جامعة ميشيغان أحمد نبيل -في تصريحات خاصة للجزيرة نت- إن انشقاق هايلي ستيفنز يقود على الأرجح إلى استنتاج وقوع ضرر بالغ على السيد في ضوء نتائج الانتخابات التمهيدية في أغسطس/آب الماضي، وأضاف: "لقد خسر السيد أمام ستيفنز في مقاطعتين تمثلان 35% من سكان الولاية، وهما واين وأوكلاند المشهورتان بميلهما الديمقراطي، والخسارة كانت بفارق يصل إلى 6%".
يُظهر ذلك -بحسب نبيل- عمق الأزمة التي أدركها السيد منذ اليوم التالي لنجاحه، وهي أن مؤيدي تيار الوسط في الحزب الديمقراطي من الأمريكيين الأفارقة والبيض لا يثقون به، وهو ما دفعه إلى طلب دعم مؤسسة الحزب التي أرسلت المرشحة الرئاسية السابقة كامالا هاريس، ثم الرئيس السابق باراك أوباما للتأثير في هذه الكتلة، لتأمين الكتل الديمقراطية من اليسار والوسط على أقل تقدير. وتشير الاستطلاعات إلى نجاح ذلك الجهد في حشد كتلة وسط الحزب خلف السيد.
ولكن يحدّ بشكل كبير من الأثر السلبي المتوقع التدخل المتزايد العلني من اللوبي الإسرائيلي، مما يطرح مسألة المال السياسي والتدخل الأجنبي، ثم الرد الحزبي القوي الذي أقصى ستيفنز من الحزب ودعم السيد بقوة.
يقول نبيل: "وعلى الرغم من أن أهم عنصر في المشهد هو دور اللوبي الصهيوني، إلا أن ردود فعل السيد هادئة وتتجنب الحديث عن هذه المسألة، مما سيُكسبه المزيد بين جيل الشباب، والسبب في ذلك مؤسسة الحزب التي يبدو أنها طلبت من السيد التركيز على القضايا الاقتصادية وتجنب الحديث عن ستيفنز".
يخلص نبيل من ذلك إلى أن قراءة السلوك التصويتي على حسب الاتجاه داخل الحزب (يمين/ يسار/ وسط) -بناء على نتائج الانتخابات التمهيدية في أغسطس/آب- لن تكون مؤشراً دقيقا وحده، إذ يجب أن يوضع في الاعتبار البعد الجيلي ما بين الشباب الراغبين في التغيير والمتحمسين للسيد والرافضين للتدخلات الأجنبية، والأجيال الأكبر سنا التي قد لا تميل لذلك، ويضيف قائلا: "قد يحدّ ذلك من أثر انقلاب ستيفنز لأقل الحدود، وربما يخدم السيد مثلما ظهر بتجميعه أكثر من مليون دولار من التبرعات خلال ساعات من الانقلاب".
المصدر: الجزيرة