معرض غوتنبرغ للكتاب: الحياد غير الممكن
معرض غوتنبرغ للكتاب يواجه هذا العام هزة سياسية عنيفة، على خلفية الإبادة المستمرة في غزة، بعد إعلان الشاعرة والناشرة الفلسطينية بيسان عدوان، انسحابها من المعرض، على خلفية دعوة المتحدث الدولي السابق باسم الجيش الإسرائيلي للمشاركة في ندوة داخل المعرض.
يواجه معرض غوتنبرغ للكتاب هذا العام هزة سياسية عنيفة على خلفية الإبادة المستمرة في غزة. وقد أعلنت الشاعرة والناشرة الفلسطينية بيسان عدوان، انسحابها من المعرض، احتجاجاً على دعوة جمعية الصداقة السويدية الإسرائيلية، يوناثان كونريكوس، المتحدث الدولي السابق باسم الجيش الإسرائيلي، للمشاركة في ندوة داخل جناحها في "ساحة الديموقراطية" في المعرض. وصرحت عدوان لوسائل الإعلام السويدية بأنها لا تستطيع قراءة الشعر داخل مبنى يستضيف من يبررون القتل. وفي سياق متصل، أعلنت الشاعرة المصرية إيمان مرسال انسحابها أيضاً من المعرض، حيث كان من المقرر أن تشارك في ندوتين يوم الخميس الماضي.
ومن الناحية الرسمية، أصدرت السفارة الفلسطينية في السويد بياناً يدين توظيف الفضاءات الثقافية الدولية لتمرير روايات تبرر الانتهاكات في قطاع غزة، ويرفض تحول المعرض إلى أداة لترويج البروباغندا العسكرية. ومن جهة أخرى، قدم الناشط الفلسطيني طه خطاب، بلاغاً للشرطة السويدية يستند إلى تهمة التحريض والكراهية ضد جماعة عرقية، وذلك بسبب اقتباس من مقال للصحافي السويدي وعضو البرلمان السابق فيدار أندرشون، استُخدم في جناح جمعية الصداقة السويدية الإسرائيلية، وينص على التالي: "أيها الفلسطينيون البؤساء، ليس هناك الكثيرون ممن يهتمون لأمركم، أنتم تستخدمون بالدرجة الأولى كمنصة قفز للشيوعيين والمتطرفين والإرهابيين". وفي تصريح لوسائل الإعلام السويدية، قال خطاب، الذي برز كأحد وجوه الحراك الطلابي في جامعة غوتنبرغ ضد الإبادة: "من المؤلم للروح أن يتحول معرض الكتاب إلى ذراع ممتدة لنتنياهو، ويستمر في نزع الإنسانية عنا كفلسطينيين".

إيمان مرسال
وليست هذه هي المرة الأولى التي يثير فيها جناح الجمعية الأزمات. ففي دورة العام الماضي من المعرض، نظمت الجمعية ندوة حملت عنوان "المجاعة المفبركة في غزة"، وأخرى كان عنوانها "الأونروا— الرابط بين الإرهاب والأمم المتحدة". وفي البداية، تبرأت إدارة المعرض من مسؤوليتها التحريرية تجاه برامج الأجنحة المشاركة، بحجة أن المسؤولية عن برنامج كل جناح تقع على عاتق منظميه؛ الأمر الذي استدعى توقيع 72 كاتباً ومترجماً وصحافياً سويدياً بارزاً، من بينهم يوهانس أنيورو وأثينا فاروخزاد، على بيان يتهم المعرض بترويج "بروباغندا الإبادة الجماعية". وحينها أيضاً قُدِّم بلاغ للشرطة السويدية ضد الجمعية يستند إلى تهمة التحريض ضد جماعة عرقية، قبل أن يتم حفظه لاحقاً. ودفعت الضجة المثارة، إدارة المعرض، للضغط على الجمعية لتغيير عناوين الندوات، والتي عدلت صياغة عناوينها بشكل مخادع من دون تغيير في مضمون إنكار المجاعة في القطاع (مثل "هل تجوع غزة حقاً؟").
في العام 2023، كانت رياح الأزمات قد هبت على المعرض في الاتجاه المعاكس. اتهمت السفارة الإسرائيلية في ستوكهولم، إدارة المعرض، بمعاداة السامية بشكل منهجي، وذلك على خلفية برنامج أطلقه المعرض حول "الثقافة اليهودية" وامتنعت إدارته عن التعاون مع السفارة الإسرائيلية ورفضت مقترحاتها بشأن تنظيم فعالياته. ونفت إدارة المعرض أي مقاطعة لإسرائيل، مشيرة إلى استضافة أدباء إسرائيليين بصفتهم الشخصية، مؤكدة أن ذلك يختلف تماماً عن استضافة السردية السياسية الرسمية للدول. وقبلها، وتحديداً في العام 2016، كانت بداية الاستقطاب الحاد، إذ وثقت تقارير لمنظمات موالية لإسرائيل وجود ما لا يقل عن سبعة أجنحة مناهضة لإسرائيل، ودفع ذلك اليمين السويدي لاتّهام المعرض بأنه بيئة غير متوازنة، بينما رأى تيار اليسار أن المجال الثقافي يعكس بشكل طبيعي التضامن مع القضية الفلسطينية.
لا تعد السياسة في الشرق الأوسط المصدر الوحيد للأزمات في تاريخ المعرض. ففي العام 2015، وفي دورة خُصصت للثقافة المجرية، تسبب نقد السياسات المجرية ضد اللاجئين في إحدى الندوات بأزمة دبلوماسية أدت إلى انسحاب المسؤولين المجريين من المعرض. وفي العام 2016، كادت استضافة المعرض لجناح إحدى الجرائد اليمينية المتطرفة، أن تقود إلى انهياره، وفي العام التالي تحولت مسيرات لحركة النازيين الجدد خارج أسواره ومحاولاتهم اقتحامه، إلى حرب شوارع مع الشرطة.
بشكل غير مخطط له، يتحول المعرض الذي بدأ قبل أربعة عقود كتجمع هادئ لأمناء المكتبات السويديين، إلى مثال زاعق للتداخلات العميقة بين السياسة والثقافة، والمعضلات الكبرى التي تواجهها المؤسسة الثقافية وهي تحاول التظاهر بالحياد.
المصدر: المدن
2026-09-26 || 16:28