من هي شولميت في حياة محمود درويش؟
تتجدد قصة محمود درويش وشولميت، اليهودية التي أحبها وتحدث عنها في قصيدته "كتابة على ضوء بندقية".
في الأسابيع الماضية، عاد النقاش حول عشيقة محمود درويش اليهودية، تامار بن عامي، بعدما نشرت جريدة "لوموند" الفرنسية تقريراً عن الموضوع لا جديد فيه، لكنه أحيا الجدل البيزنطي حول موضوع مبهم ومتشعب وملتبس ويحمل الكثير من التأويلات والتخمينات.
من دون شك، كان تقرير "لوموند" من ضمن المغالاة "الغربية" والإسرائيلية عن لقاء "الفلسطيني المناضل" بحبيبة يهودية، والقصة تُستعمل لغاية في نفس يعقوب، أو توظف في غير مكانها وزمانها. في مقابل مغالاة الغربيين، هناك مغالاة بعض محبي ومناصري الشاعر محمود درويش، إذ يقولون إن "ريتا" مجرد اسم مجازي، ويعتبرون الحديث عن يهوديتها وإسرائيليتها مؤامرة كبرى. لا يريدون أن يصدقوا أن الشاعر الرمز أحب فتاة من الكيان الذي سلب وطنه. لا جدال في أنّ محمود درويش تحدّث كثيراً عن مجازية ريتا في مقابلاته الصحافية وكتب عنها الكثير، لكنه تحدث أيضاً عن حقيقتها وتكوينها، وبعض أبرز أصدقائه علموا بها قبل الضجة التي أثارها فيلم ابتسام مراعنة عنها.
لكن اللافت أن تامار، أو ريتا، لم تكن اليهودية الوحيدة في حياة محمود درويش، فهناك قصة شولا أو شولميت. لكن الأخيرة منسية، بعكس ريتا التي صارت أغنية واسماً وصُورت فيلماً وكُتب عنها الكثير. أول ما لفت انتباهي إلى شولا، مقالة للناقد السوري صبحي حديدي في جريدة "القدس العربي"، حيث قال أنه خلال أحد أفضل الحوارات باللغة الإنكليزية مع محمود درويش، يسأل آدم شاتز عن علاقة حبّ جمعت الراحل مع فتاة يهودية إسرائيلية تُدعى شولميت، وقد تحدث عنها درويش في قصيدته "كتابة على ضوء بندقية"- مجموعة "حبيبتي تنهض من نومها"، 1970. وقد نُشر الحوار للمرّة الأولى في Journal of Palestine Studies، العدد 3، ربيع 2002؛ وفيه يجيب درويش: "التقينا بعد 1967، وكانت آخر حبّ لي في البلد. لا يتوجب عليّ الإفصاح عن اسمها، فهي على قيد الحياة، كذلك لا رجعة للماضي. تبدلت الأمور، ومثلها الكائنات البشرية".
يقول حديدي إن سؤال شاتز عن شخصية شولميت، كان أحد أبكر الأسئلة في هذا الشأن، وأندرها في الواقع، خلافاً للأسئلة الكثيرة التي طُرحت مراراً حول علاقة الحبّ الأولى التي جمعت الراحل درويش مع الفتاة اليهودية تامار بن عامي.
حاولتُ مراراً البحث عن شولميت، وباءت محاولاتي بالفشل، لعدم وجود مراجع مكتوبة أو محكية. وفي مناسبة "يوم محمود درويش" اليوم، تذكرت الموضوع، فاستعنت بالباحث الفلسطيني عادل الأسطة، الذي أخبرني أن معظم المواضيع حول محمود درويش يشوبه التكرار، وزودني ببعض المراجع حول مرادي، من كتاباته وكتابات غيره، وهو يستنتج أن في الكتابة عن المرأة اليهودية في شعر درويش نجد دائماً ما يفاجئنا.
من بين مراجع الاسطة، ما كتبته الباحثة امتياز دياب، التي نشرت كتاباً بعنوان "ميلاد الكلمات"(2019)، ويضم رسائل كتبها درويش قبل العام 1970 إلى أصدقائه وصديقاته ورسائل تلقاها منهم، ويضم صوراً، له ولقسم منهم، وشهادات أصدقاء الشاعر فيه كما عرفوه قبل هجرته . ولم ينظر بعض إخوته بعين الرضا إلى نشر هذا الكتاب. في الفصل الثالث المعنون "رسائل حب من وإلى محمود درويش، رسائل تامار بن عامي"، نقرأ رسالة مختصرة "بليغة ورفيعة المستوى" من "شولا"، والوصف لامتياز التي أضافت: "نحن لا نملك معلومات عمن هي شولا هذه". وجاء في نص الرسالة:"أيها الشاب الغالي، سعيدة كنت بمعرفتك، موجوعة أنا لفراقك، في الحقيقة هل للكلمات من تأثير؟". وتاريخ الرسالة 24 / 3 /67.
و"شولا"، وهي شولميت، تلخص حكايتها مع الشاعر ومع صديقها الجندي سيمون. "شولا" منفتحة وتكره الحرب والعنصرية و"ترى في القوميات كلها قشرة موز"، وفي أثناء غياب سيمون في الجبهة، تعرفت إلى محمود وأعجبت بمنطقه ووقعت في حبه، ولا ينجح صديقها في إنقاذها من محمود، لتصبح القصيدة الشهيرة. وأحسب أن شولا مثل كثيرات، هي المرأة التي صارت قصيدة.
الكاتب: محمد حجيري/ المدن
2026-09-25 || 19:55