في تاريخ الفن العربي كله، ليس هناك اسم ارتبط بثورة 23 يوليو بمصر ورجالها، قدر ارتباط كوكب الشرق أم كلثوم بتلك الثورة، لا سيما بقائدها جمال عبد الناصر. ورغم ما هو معروف عن قوة علاقتهما، فقد لاكت حكايات كثيرة حالة الجفاء التي سادت بين رجال يوليو وكوكب الشرق، خصوصاً خلال الأسابيع الأولى لقيام الثورة، حتى وصل الأمر إلى منع أغنياتها من الإذاعة المصرية. وباتت هذه السردية المتداولة قرينة بذِكر أي من طرفي هذه العلاقة، لتنتقل بالتبعية من سطور الكتب والمراجعات الصحافية، إلى المعالجات الدرامية التي تعرضت لحياة أم كلثوم تلفزيونياً وسينمائياً ومسرحياً، فهل هذا كله صحيح؟
لنبدأ أولا بالإجابة عن السؤال المهم: أين كانت أم كلثوم صباح 23 يوليو 1952؟ وهل ربطتها أي صلة برجال يوليو قبل 1952؟ دعكم الآن من ترهات فيلم "الست" عن أن كوكب الشرق كانت في استوديو الإذاعة المصرية، صباح هذا اليوم المشهود، مع أعضاء فرقتها، يجرون بروفة على إحدى أغنياتها، وأن أحداً قطع عليها بروفتها (أحمد رامي غالباً) وأبلغها بأن مندوب الضباط الأحرار الذي من المفترض أنه أنور السادات يريدها أن تلقي بيان حركة الجيش إلى الشعب، وأنها رفضت ذلك حتى لا تبدو "بوجهَين" أو منافقة، بحكم ولائها السابق للملك.
صباح الثورة كانت في الإسكندريةهذا كله كلام مغلوط وافتئات متعمد على الحقائق التاريخية المعروفة. فأم كلثوم كانت في ذلك الوقت بمدينة الإسكندرية في حالة استجمام، بعيداً من حرارة صيف القاهرة، لا سيما أنها لم تكن تحب العمل في فصل الصيف، وتنهي موسمها الغنائي في مايو/ أيار من كل عام، إلا إذا اضطرتها بعض ارتباطاتها إلى الخروج على هذه القاعدة. ومن ثم لم تكن أم كلثوم في مبنى الإذاعة صباح 23 يوليو 1952 ولا حتى في القاهرة، ولم يعرض عليها أحد إلقاء بيان الثورة، وهذا ما أكده لي الإذاعي الكبير فهمي عمر الذي كان مسؤول ستوديو الهواء في السابعة من صباح ذاك اليوم، وكان المطرب الراحل محمد رشدي في الإذاعة يومها من أجل أداء وصلته الغنائية.
وقال لي رشدي كما قال لغيري، أن المتواجدين بالإذاعة كانوا فقط الأستاذ فهمي عمر والضابطين أنور السادات وجمال حماد، وأنه شعر بخيبة أمل لأنه لن يستطيع الغناء، ومن ثم عدم تحصله على المقابل المادي. لكن السادات سأله: مش أنت إللي بتغني قولوا لمأذون البلد ييجي يتمم فرحنا؟ فرد عليه رشدي: نعم، فبادره السادات بأن مصر اليوم في حالة فرح، هيا أدخل وغنِّ هذه الأغنية التي تعبّر عن أفراح الناس. وهكذا لم يأت محمد رشدي على ذِكر وجود أم كلثوم في هذا الصباح على الإطلاق. المهم أن كوكب الشرق استمعت إلى بيان الثورة من الإذاعة وهي بالإسكندرية بصوت الرئيس السادات، شأنها شان ملايين المصريين، وبقيت هناك حتى بعدما صعد الملك فاروق الباخرة المحروسة مغادراً مصر نهائياً، مساء 26 من الشهر نفسه. وكانت خلال هذه الأيام تراقب الموقف ملياً، انتظاراً لما ستؤول إليه الأحداث، فإذا ما اطمأنت لنجاح الحركة المباركة، حزمت أمتعتها وعادت إلى فيللتها بالزمالك، وبعد ساعات كانت هذه السيدة الفطنة في مبنى الإذاعة القديم بشارع الشريفين تدمّر الأشرطة التي تضم أغنياتها التي غنتها للملكَين السابقين فؤاد وفاروق، وهو ما سجلته عدسة مجلة "الكواكب" في عددها الصادر في 5 أب/ أغسطس 1952.
"تطهير"وأوردت المجلة تحت عنوان "تطهير": "توجهت الآنسة أم كلثوم الأسبوع الماضي إلى محطة الإذاعة لتشرف بنفسها على تنقية بعض الأغاني من فقرات خاصة بالعهد الماضي، ولانتزاع هذه الفقرات من التسجيلات حتى يمكن إذاعتها نقية خالصة ليسمعها شعب حر كريم. وقد تناولت التغييرات تسجيلات عديدة. ألغي بعضها، وحذف الكثير من البعض الآخر. وتمثل الصورة الآنسة أم كلثوم وهي تستمع إلى أغانيها بعد حذف بعض الفقرات منها".
هكذا فقدت المكتبة الموسيقية مجموعة تاريخية مهمة من أغنيات "الست" كانت قد غنتها في فترة العصر الملكي، في تأكيد عملي على ولاء كوكب الشرق للعهد الجديد، وقيل إنها ذهبت بعد ذلك بنفسها إلى مجلس قيادة الثورة لتؤكد تأييدها ودعمها للحركة المباركة.
وعلى أية حال، فإن أم كلثوم كانت تعرف بعض الضباط الأحرار قبل يوليو 1952، لا سيما عبد الناصر نفسه، فقد استطاع ضباط وجنود اللواء الرابع المحاصرون في الفالوجة شمال شرقي قطاع غزة، والذين كان يقودهم الأميرالاي سيد طه الملقب بالضبع الأسود أو الفهد الأسمر، ومن بينهم البكباشي جمال عبد الناصر، أن يرسلوا إلى كوكب الشرق طلباً بأن تغني لهم أغنية "غلبت أصالح في روحي" في أول حفلة لها. وهو ما استجابت له بالفعل، وبعد انتهاء حصار القوات الإسرائيلية للواء الرابع وعودة الضباط إلى القاهرة على أثر اتفاقية رودس في شباط/ فبراير 1949، قررت أم كلثوم استقبال بعض أفراد اللواء المحاصر في فيللتها بالزمالك، ومن بينهم السيد طه وجمال عبد الناصر، ولمست في هذه المقابلة تقدير الضابط الشاب لها ولفنها.
فهل بعد ذلك كله، يكون لرجال الثورة في أيامها الأولى موقف معاد لكوكب الشرق وصل إلى منع أغنياتها من الإذاعة المصرية بحسب من تناول البعض في سيرتها سواء كانت مكتوبة أو مسموعة أو مرئية؟ وآخرهم المايسترو سليم سحاب في مقدمة كتاب "أم كلثوم يوميات الغناء 1925-1973"(دار نلسن) حيث قال بالنص: "... ولا بد من التنويه باجتماعات مجلس قيادة الثورة (بعد مدة من توقف الإذاعة المصرية عن إذاعة أغاني أم كلثوم بسبب أغانيها للملك السابق وبناء على أمر من أحد المسؤولين الجدد) فقد اقترح أحد الضباط الشباب الاستمرار في منع أغاني أم كلثوم في الإذاعة المصرية بسبب أغانيها للعهد السابق وبمناسبات عائلية تخص هذا العهد، فما كان من الزعيم جمال عبد الناصر إلا أن أجاب: الشمس كانت تشرق في عهد الملك فاروق، فهل نلغيها؟ وكانت هذه الكلمات كفيلة لإنهاء الموضوع إلى الأبد".
حتى سليم سحاب!والمدهش أن هذه الرواية المتواترة عن منع أغنيات أم كلثوم من الإذاعة المصرية في الأيام الأولى لثورة يوليو، تم تردادها ببغائياً طوال السنوات الماضية مع شيء من التغيير. فمنهم من قال – كحال المايسترو سليم سحاب - أن عبد الناصر استشهد بالشمس التي كانت تشرق في عهد الملك فاروق، ومنهم من قال إن ناصر تهكم على هؤلاء بأن الهرم وأبا الهول من العهد البائد أيضاً فهل من الواجب هدمهما؟ ومنهم من أضاف أن أم كلثوم لجأت إلى صديقها الكاتب الصحافي مصطفى أمين كي يتدخل لدى عبد النالصر الذي فوجئ بالأمر وأعاد أغنيات "الست" إلى أثير الإذاعة المصرية. وللأسف، فإن هؤلاء جميعاً نقلوا مضمون هذه الحكاية الدرامية المثيرة عن مصطفى أمين نفسه الذي حكاها كثيراً بعد رحيل أبطال الواقعة من دون أن يكلف أحد نفسه عناء التحقق من صحة الواقعة. ومن المرات التي حكاها أمين ما قاله لإقبال بركة في مجلة "حواء" بتاريخ 3/8/1996:
"في بداية الثورة اتصلت بي أم كثوم وقالت إن مجلس الثورة أصدر قراراً بأني ما أغنيش لأني مطربة العهد البائد، وإن الإذاعة تتوقف عن إذاعة كل أغانيّ. كذلك صدر قرار بتطهيري من نقابة الموسيقيين، وكانت يومها رئيسة النقابة. أنا أسرعت للقاء جمال عبد الناصر ولم يكن يومها قد أصبح رئيساً بعد، لكنه كان أهم واحد في مجلس الثورة، وقلت له هل تذكر إنك قلت لي مرة أن صوت أم كلثوم هو إللي كان بيربط الجيش بمصر أثناء حصاركم في فلسطين؟ وحكيت له ما حدث مع أم كلثوم، فطلب مسؤول الإذاعة وسأله عن صحة هذا الخبر، والمسؤول أكده، فسأله عبد الناصر: لماذا لم تهدموا الهرم؟! ما هو الهرم بني في العهد البائد أيضاً!! وأمره أن يعيد فوراً صوت أم كلثوم للإذاعة المصرية. عدت إلى مكتبي وطلبت أم كلثوم لأزف إليها النبأ فقالت: أنا سمعت بالأمر دلوقتي من الإذاعة .. كان صوت أم كلثوم يلعلع بأغنية رائعة من أغانيها".
وفي يقيني أن هذه الواقعة لا أساس لها، وأنها من نسج خيال مصطفى أمين، خصوصاً أنه لم يذكرها إلا بعد غياب كل أبطال المشهد، وأعتقد أنه آن الأوان الآن لنسف تلك الواقعة من جذورها، فلم يكن رجال الثورة، خصوصاً في أيامها الأولى في حالة عداء أو تربص بأم كلثوم، ولم يأخذوا منها أو من أغنياتها أي موقف، وأن الإذاعة المصرية لم تتوقف عن تقديم أغنياتها قط. وقد أكد لي أحد أهم الشهود العيان في تلك المرحلة وهو الإذاعي فهمي عمر الذي رحل عن عالمنا قبل أسابيع، أن شيئا من هذا لم يحدث، وأن تقديم أغنيات سيدة الغناء العربي عبر الإذاعة المصرية بقي كما هو بصورته المعتادة من دون أن يأخذ منه أحد أي موقف عدائي، وهو ما قاله لي أيضاً كما لغيري، الإذاعي الراحل وجدي الحكيم.
وثائقورغم ثقتي في صحة شهادة الرائد الإذاعي فهمي عمر تحديداً، باعتباره شاهد عيان على تلك الفترة، فقد وضعت احتمالاً بأن تكون ذاكرته قد فعل بها الزمن أفاعيله. وحتى أنهي هذا العبث، قررت العودة إلى مجلة الإذاعة المصرية التي كانت تنشر أسبوعياً بالتفصيل خريطة المواد الإذاعية، وكذلك مجلتي "الكواكب" و"الإثنين"، فوجدت أغنيات أم كلثوم على حالها في صلب الخريطة الإذاعية في الفترة من الأربعاء 23 تموز/ يوليو إلى الجمعة الأول من آب/ أغسطس 1952، فقلت لنفسي ربما يكون عدد مجلة الإذاعة الرقم 906 الصادر في 26 تموز، بعد ثلاثة أيام فقط من قيام الثورة، قد أعد وطبع سلفاً على اعتبار أن تجهيز المجلات وطباعتها يحتاج أحياناً إلى أسبوع كامل قبل الصدور، خصوصاً بإمكانات مرحلة الخمسينيات، وأن هذه الخريطة المنشورة في العدد المذكور قد تم تغييرها على الهواء.
فماذا عن العدد الرقم 907 الصادر في الثاني من آب 1952، وعلى غلافه صورة اللواء محمد نجيب قائد الثورة حتى تاريخه؟ في داخل العدد، مقالات وموضوعات عديدة عن العهد الجديد وعن حركة الجيش، وفي ه البيان الموجه للملك السابق بضرورة مغادرة البلاد قبل نهاية يوم 26 تموز، ما يعني أن تحريره وطباعته قد أنجزا بعد أيام من قيام الثورة. إذن تعالوا نطالع خريطة برامج الإذاعة المصرية في الفترة ما بين 2 آب وحتى 8 منه، ونرى ما إذا كانت أغنيات أم كلثوم قد تعرضت للمنع أم لا:
السبت 11 ذو القعدة – 2 أغسطس: الساعة 2.15 ظهراً، الآنسة أم كلثوم "يا اللي ودادي، و يا بشير الأنس" من فيلم وداد. الساعة 9 مساء، الآنسة أم كلثوم "مصر تتحدث عن نفسها" حافظ إبراهيم – رياض السنباطي. الساعة 11.10 مساء، "قصيدة السودان" أحمد شوقي – رياض السنباطي (أربع أغنيات في يوم واحد).
الأحد 12 ذو القعدة – 3 أغسطس: الساعة 9.30 مساء، الآنسة أم كلثوم "شوى شوى، برضاك، سلام الله، عن العشاق، عين يا عين، الفوازير، في نور محياك" محمود بيرم التونسى – زكريا أحمد، "قالوا أحب القص" على أحمد باكثير – رياض السنباطي (أغنيات فيلم سلامة). الساعة 11.10 مساء، الآنسة أم كلثوم "قصيدة مصر تتحدث عن نفسها" حافظ إبراهيم – رياض السنياطي (9 أغنيات في يوم واحد)
الإثنين 13 ذو القعدة – 4 أغسطس: الساعة 2.45 ظهراً، الآنسة أم كلثوم "دور أكون سعيد" و"مونولوج فين العيون". الساعة 9.45 مساء، الأنسة أم كلثوم "قصيدة مصر تتحدث عن نفسها" حافظ إبراهيم – رياض السنباطي. الساعة 11.05 مساء، الآنسة أم كلثوم " قصيدة النيل" أحمد شوقي بك – رياض السنباطي (أربع أغنيات في يوم واحد).
الثلاثاء 14 ذو القعدة – 5 أغسطس: الساعة 9.45 مساء الآنسة أم كلثوم "قصيدة مصر تتحدث عن نفسها" حافظ إبراهيم – رياض السنباطي (أغنية واحدة).
الأربعاء 15 ذو القعدة – 6 أغسطس: الساعة 2.15 ظهرا الآنسة أم كلثوم "يا بهجة العيد، وياللي ودادي" من فيلم وداد، الساعة 8.55 مساء الآنسة أم كلثوم "قصيدة مصر تتحدث عن نفسها" حافظ إبراهيم – رياض السنباطي (ثلاث أغنيات في يوم واحد).
الخميس 16 ذو القعدة – 7 أغسطس: الساعة 8.45 مساء الآنسة أم كلثوم أغنية "نصرة قوية " الساعة 9 مساء الآنسة أم كلثوم "مصر تتحدث عن نفسها" حافظ إبراهيم – رياض السنباطي (أغنيتان في يوم واحد)
الجمعة 17 ذو القعدة – 8 أغسطس: الساعة 9.05 صباحا الآنسة أم كلثوم "يا صباح الخير ياللي معانا" محمود بيرم التونسي – محمد القصبجي و"لغة الزهور" محمود بيرم التونسي – زكريا أحمد، الساعة 2.15 ظهرا الآنسة أم كلثوم دور "ابتسام الزهر" و"طقطوقة قالولي إمتى" الساعة 7.20 مساء الآنسة أم كلثوم "قصيدة مصر تتحدث عن نفسها" حافظ إبراهيم – رياض السنباطي، الساعة 10.30 مساء الآنسة أم كلثوم قصيدة "ولد الهدى" أحمد شوقي بك – رياض السنباطي (ست أغنيات في يوم واحد).
وهكذا ومن واقع هذه الخريطة التى نقلتُها كما جاءت فى مجلة الإذاعة المصرية، فإن الإذاعة الرسمية التي كان يسيطر عليها قادة الحركة الجديدة، أذاعت لأم كلثوم 29 أغنية في أسبوع واحد، منها قصيدة "مصر تتحدث عن نفسها" سبع مرات، بواقع مرة كل يوم، على مدار الأسبوع، ما يعني أن قادة يوليو كانوا في ذلك الوقت، يعتبرون أم كلثوم هي صوت مصر، فأي منع يتحدثون عنه؟! أعتقد أنه بعد هذه الوثيقة الدامغة يجب الكف تماماً عن ترداد هذه الرواية المغلوطة عن اضطهاد رجال ثورة يوليو لأم كلثوم في الأسابيع الأولى للثورة.
الكاتب: أشرف غريب/ المدن