الجيش يسرّع تنفيذ منطقة صناعية استيطانية جنوب طولكرم
قوات الجيش الإسرائيلي تسارع خطواتها لتنفيذ مشروع المنطقة الصناعية الاستيطانية الضخمة، الذي سيقام على مساحة 788 دونماً من أراضي قرى جبارة والرأس وشوفة جنوب مدينة طولكرم.
تسارع سلطات الاحتلال الإسرائيلي خطواتها لتنفيذ مشروع المنطقة الصناعية الاستعمارية الضخمة على أراضي قرى جبارة والراس وشوفة جنوب مدينة طولكرم، في مسعى لتحويل مئات الدونمات من الأراضي الزراعية التي شكلت لعقود شريان الحياة لعشرات العائلات الفلسطينية، إلى معقل صناعي وتجاري يخدم المنظومة الاستعمارية المحيطة.
وعلى امتداد هذه المنطقة، يمكن للمار عبر شارع الكفريات "جنوب طولكرم"، أن يشاهد حجم الأعمال الجارية على الأرض، إذ تنتشر الجرافات الثقيلة التي تشق طرقاً جديدة بين الصخور والتلال، وتنفذ عمليات تجريف وتسوية واسعة النطاق، فيما تعمل طواقم وآليات أخرى على إقامة أسوار حجرية تحيط بالموقع من جهاته المختلفة، في مشهد يعكس تسارع خطوات فرض واقع جديد على الأرض.
سيقام المشروع على مساحة 788 دونماً جنوب طولكرم
ويعود أصل هذا المشروع إلى عام 2019، حين أعلنت سلطات الاحتلال عن المخطط التفصيلي رقم (ت/158)، الذي يقضي بإقامة منطقة صناعية استيطانية على مساحة تقدر بنحو 788 دونماً من أراضي قريتي شوفة وجبارة جنوب طولكرم في منطقة تسمى " الجبل الوسطاني".
وبحسب المخطط الذي نشرته سلطات الاحتلال آنذاك، فإن المنطقة الصناعية تحمل اسم "بستاني حيفتس"، وتشمل تغيير صفة استخدام الأراضي من مناطق زراعية وطرق معتمدة إلى مناطق صناعية وتجارية، تضم نحو 130 مصنعاً، إضافة إلى مرافق للمواصلات، ومبان ومؤسسات عامة، ومناطق مفتوحة، ومواقف للمركبات وشبكة طرق داخلية.
الاعمال الجارية تتقدم بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة
ويؤكد مواطنون وأصحاب أراض، أن الأعمال الجارية تتقدم بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، وسط استمرار عمليات التجريف وشق الطرق والبنية التحتية، الأمر الذي ينذر بتحول كبير في معالم المنطقة، وإحكام السيطرة على المنطقة الجنوبية ويهدد ما تبقى من الأراضي الزراعية، ويحد من فرص التوسع العمراني والتنمية المستقبلية للقرى الواقعة في محيط المشروع.
تجريف أرض وخلع 130 شجرة أفوكادوا على مدخل قرية جبارة
المزارع أديب عوض من قرية جبارة تعرضت أرضه الواقعة على مدخل القرية قبل أيام للتجريف من قبل جرافات الاحتلال دون سابق إنذار، دمرت ما مساحته ثلاثة دونمات من شجر الأفوكادوا المثمر وخلعت 130 شجرة، لصالح أعمال إقامة المنطقة الصناعية التي التهمت مئات الدونمات من أراضي القرية.
وأكد انه يملك الأوراق الثبوتية لملكيتها، حيث هي مصدر رزقه، تعب في زراعتها بالأفوكادو منذ 11 عاما هذه الشجرة التي تحتاج لسبع سنوات من التعب والجهد وتحتاج لتكاليف عالية ومتابعة دائمة حتى تثمر، ليأتي الاحتلال وينهي مسيرتها بغمضة عين.
كما طال التجريف دونمات أخرى من الأراضي المزروعة بالبيوت البلاستيكية على مدخل القرية، عدا عن تهديدات بهدم منازل في المنطقة بعد إخطارها.
مواطن من شوفة تم الاستيلاء على مساحة 50 دونماً من أراضي عائلته
ويواجه المواطن صابر عبد القادر محمود حمد وعائلته من قرية شوفة، تداعيات مباشرة لمشروع المنطقة الصناعية الاستعمارية، بعد استيلاء الاحتلال على نحو 50 دونماً من أراضي العائلة الواقعة في الجهة الجنوبية الشرقية للقرية بمحاذاة الشارع الالتفافي.
ويقول حمد إن هذه الأراضي تشكل مصدر الرزق الأساسي للعائلة، حيث كانت تزرع سنوياً بالقمح والشعير والفول والبازيلاء، قبل أن يستولي عليها الاحتلال بحجة أنها أملاك دولة، ويبدأ العمل فيها ضمن مخططات المنطقة الصناعية. وأضاف أن منازل العائلة تقع داخل الأراضي المستهدفة، ما جعل أفرادها يعيشون حالة من القلق المستمر على مستقبل مساكنهم وممتلكاتهم.
وأوضح أن العائلة تملك الوثائق والأوراق الثبوتية التي تؤكد ملكيتها للأرض، مشيراً إلى أن قوات الاحتلال استولت مؤخراً أيضاً على مساحات إضافية من الأراضي المزروعة بالبيوت البلاستيكية، دون سابق إنذار أو منح أصحابها مهلة قبل بدء أعمال التجريف.
الاستيلاء على الأراضي يرافقه اعتداءات للمستوطنين
وأشار حمد إلى أن معاناة المزارعين في المنطقة لا تقتصر على الاستيلاء على الأراضي، بل تمتد إلى اعتداءات المستعمرين، موضحاً أنه يتعرض بين الفينة والأخرى لإطلاق نار من مستعمرين من مستعمرة "عناب خلال عمله في أرضه، كما أكد أن العائلة تملك نحو 200 دونم مزروعة بأشجار زيتون معمرة، إلا أنها تواجه صعوبات كبيرة في الوصول إليها بسبب ملاحقة المستوطنين واعتداءاتهم المتكررة.
ويقول رئيس مجلس قروي جبارة محمد إحسان عوض، إن مشروع المنطقة الصناعية الاستيطانية المزمع إقامته جنوب طولكرم يشكل تهديدا مباشرا لقرية جبارة والقرى المجاورة، لافتاً إلى أن المساحة المستهدفة للمشروع تقدر بنحو 800 دونم من أراضي جبارة والراس وشوفة، في وقت تتواصل فيه أعمال التجريف والاستيلاء على الأراضي.
تعاني قرية جبارة على مدار سنوات من إجراءات الاحتلال
وأوضح عوض أن قرية جبارة، وهي إحدى قرى الكفريات السبع جنوب طولكرم، عانت على مدار سنوات طويلة من إجراءات الاحتلال، إذ استولى على مساحات واسعة من أراضيها لإقامة جدار الضم والتوسع عام 2002، وحاصر القرية لمدة 12 عاماً قبل أن تتم إزالة الجدار عام 2014 بقرار من المحكمة العليا الإسرائيلية، ما أتاح للمزارعين العودة إلى أراضيهم وإعادة استصلاحها وزراعتها، وأضاف أن الاحتلال عاد اليوم للاستيلاء على أجزاء من المناطق ذاتها تحت ذريعة إقامة المنطقة الصناعية.
وأشار إلى أن القرية باتت محاصرة من عدة جهات، إذ يحدها جدار الفصل من الخلف، ومستعمرة "سلعيت" المقامة على أراضي القرية من الجهة الجنوبية، فيما تشكل البوابات العسكرية المقامة على مداخل المنطقة عائقاً أمام حركة المواطنين، محذرا أنه ومع بدء العمل في المنطقة الصناعية والاستيلاء على مساحات إضافية من الأراضي، تزداد المخاوف بشأن مستقبل القرية وسكانها.
وبيّن عوض أن المشروع ترافق مع إصدار إخطارات جديدة تستهدف منازل ومنشآت زراعية وبيوتا بلاستيكية، إضافة إلى الاستيلاء على أراض أخرى بموجب أوامر عسكرية ، في حين ما تزال منازل عدة مهددة بالهدم.
وأكد أن جبارة منطقة زراعية من الدرجة الأولى وتشكل الزراعة مصدر الدخل الأساسي لسكانها، معتبراً أن هذه الإجراءات تستهدف الأرض ومصادر رزق المواطنين.
عوض يحذر من الآثار البيئية المحتملة للمشروع
وحذر عوض من الآثار البيئية المحتملة للمشروع، موضحاً أن المنطقة تقع فوق أحواض وآبار مياه تستفيد منها قريتا جبارة والراس والمدينة، في ظل غياب أي معلومات واضحة حول طبيعة المصانع التي ستقام أو حجم النشاط الصناعي المتوقع، الأمر الذي يثير مخاوف من تلوث المياه والأراضي الزراعية مستقبلاً.
وأضاف أن الوجود العسكري المتواصل وإغلاق البوابات الحديدية المؤدية إلى مدينة طولكرم أثرا بشكل كبير على حياة المواطنين، خاصة المرضى، مشيراً إلى أن إقامة المنطقة الصناعية قد تؤدي إلى مزيد من القيود على الحركة، وتزيد من عزل منطقة الكفريات التي تعاني أصلاً من نقص في بعض الخدمات الأساسية.
وأكد عوض أن المشروع يأتي في إطار مخططات استيطانية أوسع تستهدف ربط المنطقة الصناعية بالمستوطنات المحيطة بطولكرم والمقامة على أراضي قراها وبلداتها، وعلى رأسها مستعمرة سلعيت إضافة إلى مستعمرتي عناب وأفني حيفتس، ما يهدد الوجود الفلسطيني ويؤدي إلى تقليص المساحات المتاحة للتوسع العمراني والزراعي للقرية، في ظل استمرار التوسع الاستيطاني والاستيلاء على المزيد من الأراضي.
وشدد على تمسك أهالي جبارة بأرضهم وحقوقهم، ومواصلة التحرك عبر المؤسسات القانونية والجهات المختصة لمواجهة المشروع، رغم ما يرافقه من عمليات هدم وإخطارات واستهداف للأراضي والممتلكات الفلسطينية.
تحذيرات من مؤسسات محلية وساسية وباحثين من خطورة المشروع
ومنذ تاريخ إعلان مخطط إقامة هذا المشروع، فقد حذرت مؤسسات محلية وحقوقية وشخصيات سياسية وباحثين من خطورته على صعيد الاستيلاء على مئات الدونمات من أراضي المواطنين، وفرض حقائق غاية في الخطورة على ارض الواقع، من ضمنها إحكام الحصار والإغلاق على العديد من القرى الفلسطينية التي تعاني من وجود جدار الضم والتوسع، والتضييق على مدينة طولكرم وفصلها عن ريفها الجنوبي المعروف بـ" الكفريات" الواقع في قلب المنطقة المقترحة، وقطع التواصل الجغرافي الرابط بين التجمعات الفلسطينية في الضفة المحتلة، إضافة إلى الخطورة الصحية والبيئية التي ستنجم عنها، وما سيتبعها من ربط المستعمرات مع أراضي عام 1948 على المدى البعيد.
الكاتبة: هدى حبايب/ وفا
2026-06-11 || 14:47