تدمير مدرسة عبد اللطيف سعد في بنت جبيل
إسرائيل تدمر المدارس في جنوب لبنا، محاولة محو ذاكرة التعليم، وفي هذا المقال يقدم الباحث والكاتب ابن مدينة بنت جبيل منذر جبارة، قراءة ممتدة لتجربة مدرسة عبد اللطيف سعد في بنت جبيل جنوب لبنان، التي دمرها الجيش الإسرائيلي، كجزء من ذاكرة وتاريخ المنطقة.
في الجنوب اللبناني، لا تبدو المدرسة مؤسسة تعليمية فحسب، بل طبقة من الذاكرة، وساحة تتقاطع فيها السياسة مع الاجتماع، والحرب مع تفاصيل الحياة اليومية. هناك، حيث لا تنفصل الجغرافيا عن التاريخ، تتحول الصفوف إلى أرشيف حيّ لقرى كاملة، وتصبح المؤسسات التربوية جزءاً من سردية المكان قبل أن تكون جزءاً من وزارة أو قرار إداري.
التاريخ في مدرسة
تاريخ التعليم في الجنوب يبدأ من الكتاتيب والمدارس الدينية، حيث كان التعليم محدوداً بالقراءة والكتابة. ومع بدايات القرن العشرين، دخلت المدارس التبشيرية والتعليم الحديث، لكن الجنوب بقي على هامش البنية التعليمية الرسمية. وبعد قيام دولة لبنان الكبير، توسع التعليم تدريجياً، وكانت المدارس تلعب دور "المراكز الجامعة"، حيث يتجمع طلاب القرى في منطقة واحدة، كما في تجربة بنت جبيل. لكن مع انتشار المدارس في القرى، تفكك هذا النموذج، وتحولت كل بلدة إلى وحدة تعليمية مستقلة، ما خفف من التداخل الاجتماعي الذي كان يميز الجيل السابق. بهذا المعنى تُقرأ تجربة مدرسة المربي عبد اللطيف سعد في بنت جبيل كجزء من ذاكرة وتاريخ المنطقة.
بعد أن دمرت إسرائيل هذه المدرسة أخيراً، يقدّم الباحث والكاتب ابن مدينة بنت جبيل منذر جابر قراءة ممتدة لتجربة هذه المدرسة، أو ما عرف تاريخياً بـِ "التكميلية العالية"، لا بوصفها حكاية مدرسة واحدة، بل كمدخل إلى تاريخ التعليم في الجنوب اللبناني، منذ أواخر الأربعينيات حتى اليوم.
قراءة تبدأ من مبنى، لكنها تنتهي عند سؤال أكبر: كيف صاغ التعليم هوية مجتمع، وكيف أعادت الحرب تفكيك هذه الهوية من جديد؟
المدرسة وُلدت من الحاجة
يشير جابر إلى أن "التكميلية العالية" لم تكن مشروعاً فردياً بقدر ما كانت استجابة لحاجة عامة في مرحلة ما بعد الأربعينيات، حين كان الجنوب لا يزال في طور تشكيل بنيته التعليمية. في تلك المرحلة، لم تكن الدولة قد أحكمت بعد شبكة مدارسها، وكان على المراكز المحلية أن تتولى دور التجميع والتأسيس.
من هنا، جاء اختيار بنت جبيل كمركز للتعليم المتوسط، لتستقبل طلاباً من نطاق واسع يمتد من ميس الجبل شرقاً إلى يارين غرباً، مروراَ بتبنين وقرى القضاء. هكذا نشأت مدرسة تتجاوز حدود المدينة، لتتحول إلى نقطة تقاطع لسبع عشرة قرية تقريباً.
المدرسة كمنطقة تربوية
لا يصف جابر المدرسة كمؤسسة، بل كـ"منطقة تربوية" قائمة بذاتها. طلاب من قرى متباعدة يلتقون يومياً في صف واحد، في تجربة اجتماعية أنتجت شبكة علاقات ستتجاوز سنوات الدراسة إلى الحياة العامة.
محامون وأطباء وأساتذة جامعات وموظفون كبار، جميعهم مرّوا من هناك، لكن الأهم أنهم خرجوا من تجربة اجتماعية واحدة، أعادت تشكيل العلاقة بين القرى، وكسرت حدودها التقليدية الصلبة.
بهذا المعنى، لم تكن المدرسة تنتج تعليماً فقط، بل كانت تنتج مجتمعاً.
هوية المدرسة واسمها
أخذت المدرسة اسمها تيمناً بمديرها عبد اللطيف سعد، في تقليد محلي شائع في جبل عامل، حيث تُنسب المدارس إلى من صنعوا حضورها اليومي. غير أن جابر يذكّر بأن الرجل نفسه ينتمي إلى جيل المعلمين الأوائل، خريجي معهد المعلمين في لبنان، وأنه حمل إلى بنت جبيل خبرة لغوية وثقافية بقيت، إلى حد كبير، خارج التوثيق الرسمي.
لم تكن المدرسة على هامش المدينة. موقعها قرب السرايا والسوق والمخفر جعلها جزءاً من المشهد اليومي لبنت جبيل، إلى درجة يصعب معها فصل صورة المدينة عن صورتها.
ومع ذلك، لم تكن وظيفتها محلية. كانت مركزاً إقليمياً للتعليم، ومساحة مفتوحة لنخبة الأساتذة من خريجي دار المعلمين، وهذا ما رفع من مستوى التعليم فيها، وجعلها محطة عبور أساسية في مسار التعليم الرسمي في الجنوب.
ووفق جابر، المدرسة لم تكن صفوفاً فقط. في ملاعبها تشكّلت فرق كرة السلة والطائرة، وفي قاعاتها دارت نقاشات أدبية بين طلاب يتجادلون حول نجيب محفوظ ومحمد عبد الحليم عبد الله، في مشهد يعكس حيوية ثقافية مبكرة.
وفي السياسة، كانت المدرسة مرآة الستينيات: إضرابات طلابية، قضايا الوحدة العربية، فلسطين، والانقسامات الإقليمية، كلها كانت تجد طريقها إلى داخل الصفوف.
تدمير ممنهج للمدارس
لكن هذا النموذج لم يبقَ ثابتاً. فالتجربة التربوية في الجنوب، التي انتقلت لاحقاً من المدارس المركزية إلى المدارس المحلية في كل بلدة، وجدت نفسها في السنوات الأخيرة أمام مشهد مختلف تماماً.
الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة طاولت مدارس وثانويات في قرى مثل عيترون وميس الجبل وعيتا الشعب وغيرها، حيث تعرّضت مبانٍ تعليمية لتدمير ممنهج في مشهد يعيد طرح المدرسة كهدف، لا كمجرد مؤسسة مدنية.
في هذه القرى، لم تكن المدارس مجرد مبانٍ، بل كانت امتداداً طبيعياً لفكرة التعليم كجزء من الحياة اليومية، لا كمؤسسة بعيدة عن الناس. وبهذا المعنى لا تُقرأ تجربة مدرسة عبد اللطيف سعد كحكاية تعليمية فقط، بل كجزء من تاريخ منطقة كاملة، حيث كان التعليم أحد أشكال بناء المجتمع، قبل أن يصبح جزءاً من هشاشة هذا البناء تحت ضغط الحرب.
وبين ذاكرة سبع عشرة قرية اجتمعت في صف واحد، ومدارس تُستهدف في قرى متفرقة، يبدو الجنوب كأنه يعيد طرح السؤال نفسه: كيف يمكن للمدرسة أن تبقى مدرسة، حين تصبح جزءاً من الجغرافيا الأكثر هشاشة؟
الكاتب: حسن محمد صبرا/ المدن
2026-05-23 || 13:55